بعد تحوّله الى مذهب...مصير خطاب العقل والحرية المعتزلي

تاريخ الإضافة الجمعة 19 تشرين الثاني 2010 - 6:32 ص    عدد الزيارات 969    التعليقات 0

        

شمس الدين الكيلاني

لعل مصطلح "الاعتزال" قد تم تداوله حين أُطلق أول مرة على جماعة من الصحابة، اتخذوا موقف الحياد في صراع علي ومعاوية، وتواقت ظهور "مذهب الاعتزالي" مع الخلاف الناشب بين واصل بن عطاء (تـ748م) وأستاذه الحسن البصري (تـ 720م) في مسألة (الكبيرة) أكافر هو أم مؤمن؟ فكان موقف واصل أنها "منزلة بين منزلتين" وهو أشبه بالرأي السياسي، المقصود منه تحديد موقف من الأمويين، فأخذوا موقفاً وسطاً ما بين الخوارج والمرجئة.
وقد مهد لحركة المعتزلة القدريون (الذين قالوا بقدرة الإنسان واستطاعته على الفعل المستقل) كمعبد الجهني وعمرو مقصوص، وغيلان الدمشقي الذي كتب للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز" فهل وجدت ياعمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي على ما يعذب عليه.. ؟". وفي هذه العبارات يقرر حرية الاختيار. وخطا الحسن البصري الخطوة الأولى نحو النظر العقلي، التجريدي التي اتبعها المعتزلة في بحوثهم النظرية. وبدءاً من لحظة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تحددت معالم الطريقة والمذهب المعتزليين.
1 - تحكيم العقل: كانت حركة الاعتزال تنظيراً عقلياً للدين، فأعملوا العقل في (النص)، وأخضعوا تفسيرهم للمنطق العقلي، وساقوا أي اختلاف ظاهر بين النص والعقل - باستثناء العبادات - لصالح الأخير. لم تقتصر صياغتهم (العقلية) على وحدانية الله، وإنما تناولت مسائل الإيمان والنبوة، والأخلاق والسياسة. والصلة بين الله / العالم، الإنسان. ووضعوا أسس (علم الكلام) القائم على المحاكمة العقلية في الدين، ووسيلة لتأكيد العقائد الإيمانية. وكان (النظَّام) يرى أن حجة العقل تنسخ الأخبار (الأحاديث).
شاركوا بشكل فعال في الحياة الثقافية التي بلغت ذروة غناها وتنوعها في صدر الدولة العباسية، وتمكنوا من رد هجمات المانوية، وتفكيك أطروحاتها بإرغامها على الاحتكام إلى العقل، " الشيء الذي يعني نفي الغنوص من اللحظة الأولى، وتجلى منطقهم العقلي في جميع الموضوعات التي تطرقوا إليها. وقد اتفق مؤرخو الفرق الإسلامية على تحديد (أصول) المذهب المعتزلي وإن اختلفوا في طريقة ترتيبهم لهذه الأصول، وعرض الخياط (المعتزلي) هذه الأصول " التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
أ - التوحيد: نفي الصفات، نفي قِدم القرآن الكريم.
أخضعوا (التوحيد)، الذي يتميز به المسلمون جميعاً، لمنطقهم العقلي الخاص فالتوحيد عند القاضي عبد الجبار (تـ1024م)" هو العلم بما يتوحد الله جل وعز من الصفات التي يختص بها.. نحو أنه قديم وما عداه محدث. واحد لاثاني له"، وأنه واحد "ليس كمثله شيء". ونفوا الصفات الأزلية عن الله تعالى، لتنزيهه عن التعدد والكثرة. وإذا تحدثوا عن الصفات، فإنهم يقولون على طريقة أبو هذيل العلاف" إنه عالم بعلم إلاّ إن علمه هو نفسه، وقادر بقدرة وقدرته هي نفسه"، أو مثل الجبائي: "إن الله عالم لنفسه، وقادر لنفسه". وانتقلوا من هذا ليقرروا، أن القرآن الكريم (كلام الله)، ليس "بقديم " أي ليس من الصفات المعادلة لذات الله، وإنما هو حادث، أي مخلوق.
ب - العدل: حرية الشخص البشري/ وقدرة العقل على معرفة القيم.
أعمل المعتزلة العقل في مفهوم العدل الإلهي، ليقرروا حرية الشخص البشري.. وأن العقل يستطيع التمييز بين الخير والشر. فقالوا: "إن الله تعالى لا يقبل القبح ولا يختار إلا الحكمة والصواب". والرب منزه أن يضاف إليه الشر والظلم، لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً، ولو خلق العدل كان عادلاً" واتفقوا على "أن الله تعالى لا يفعل إلاّ الصلاح والخير". فلو كانت إرادة الله تتعلق بكل ما في العالم من خير وشر لكان الخير والشر مُرادين لله، فيكون المريد موصوفاً بالخيرية والشرية والعدل والظلم، وذلك محال على الله، ولو كانت أفعال الإنسان مُقررة من الله لبطل الثواب والعقاب، وأصبح لا معنى لهما. وبطل الأمر والنهي، وبعثة الأنبياء، والمساءلة والعقاب. ليصلوا إلى تقرير "أن أفعال العباد حادثة من قبلهم.
ومن مفهومهم العقلاني (للعدل) يصلون إلى نتيجة مفادها: أنهم اعتمدوا على العقل في مسألة تقدير الشر والخير، في ما يتعلق بالشؤون الإنسانية، واستثنى بعضهم العبادات. فهذه الأخيرة يقررها "النص". فالإنسان قادر أن يميز - قبل ورود الشرائع - الخير عن الشر، والحسن عن القبيح، لأن الشر والخير، الحسن والقبح (ذاتيان) في الأفعال والأشياء. لذا فالعقل يستطيع قبل ورود الشرع اكتشاف طبيعة الأفعال والأشياء الخير منها والشرير. وهذا هو حال الناس قبل ورود الأديان فقد كانت تتحاكم إلى العقل، فنرى العقلاء منهم يستقبحون الظلم والعدوان، ويستحسنون نجدة المظلوم وتخليص الهلكى.
جـ - الوعد والوعيد: (لا شفاعة للإنسان سوى أفعاله).
ينطلق المعتزلة من تقرير حقيقة: إن الله صادق بوعده للصالحين بالثواب، وللعصاة بالعقاب، وأنه سيفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة. ليصلوا إلى القول: إن كل الوساطات، والشفاعات لا معنى لها، فلكل امرئ ما سعى، ويصبح التقرب إلى الأولياء، أو إلى غيرهم لا معنى له.
د - الخلافة اختيار : رأت أكثرية المعتزلة أن الإمامة أو الخلافة تقوم على اختيار الأمة، ولا تنعقد إلاّ بالانتخاب، وزاد بعض المعتزلة على هذا شرطاً آخر أنه لا بد لانعقاد الإمامة من اتفاق الأمة كلها.
نمت هذه الحركة الفكرية في قلب حضارة زاهية، مدينية وحضرية، ترعى الثقافة، ولا تخشى الاختلاف، طالما لا يرتبط بالسلاح، ولكنها بدأت تنحسر وتتراجع فيما بعد، وساهم في ذلك انسياق المعتزلة - مع المأمون، والمعتصم - إلى حمل الناس بالقوة إلى مذهبهم، مما سهل تصفيتهم سياسياً واجتماعياً وثقافياً عقب الانقلاب عليهم في عهد المتوكل، الذي كان من نتائجه انقطاع الصلة بين الفلسفة والاعتزال، بين المعقول الديني والمعقول العقلي.

...A Procedural Guide to Palestinian Succession: The How of the Who...

 الجمعة 30 أيلول 2022 - 5:49 ص

...A Procedural Guide to Palestinian Succession: The How of the Who... NATHAN J. BROWN, VLADIMIR … تتمة »

عدد الزيارات: 105,088,633

عدد الزوار: 3,667,142

المتواجدون الآن: 74