منهجية الاستشراق و التلاؤم مع العقل الإسلامي..

تاريخ الإضافة الأحد 11 تشرين الثاني 2018 - 10:46 ص    التعليقات 0

        

منهجية الاستشراق و التلاؤم مع العقل الإسلامي..

الحياة...محمد حسين أبو العلا ... كاتب مصري... لا تزال للحركة الاستشراقية امتداداتها الزمنية في إطار مسعاها الدؤوب نحو استكشاف الشرق العربي لغة وعلماً وتاريخاً وفناً وحضارة وشخصية وكينونة وذاتاً لها بريق لا تخبو جذوته. ولا تزال تلك الحركة تتفحص الصغيرة والكبيرة في محاولة استقصائية نحو سبر أغوار ذلك الشرق وكان حصادها زخماً ثقافياً معرفياً مثَّل تراثاً إنسانياً لا يقلل من قيمته الخلاف حوله، لأنه أحدث تغيراً ملموساً في بنية العقل الإسلامي وفعَّل الملكة النقدية لديه وجعله يخوض دروباً ومنحنيات وطرائق متجددة نحو التحديث، مستحضراً آليات المواجهة الذهنية الباعثة على الثقة المعرفية والاستمساك بالجذور التراثية مع إقامة المعادل الموضوعي بذلك المتغير الزمني، الذي تتجلى معه أبرز خصائص التراث العربي على اختلاف تنويعاته، وهو ما يبدد فكرة أنه تراث متحفي. ولعل الساحة العربية دائماً ما تتماهى مع ذلك الطوفان الاستشراقي، تحليلاً وتفسيراً وتنظيراً على أصعدة عدة، آخرها أطروحة السيد عبدالحليم الشوربجي، «الخلفيات المنهجية في دراسات المستشرقين حول العربية» الصادرة عن «المجلة العربية» والتي جاءت في أربعة مباحث تضمنت في مجملها موقف المستشرقين من العربية ونظرتهم المنهجية وما تشعب عن ذلك من قضايا واشكاليات. طرح الكاتب سؤاله المحوري: هل كان اهتمام الحركة الاستشراقية بدراسة العربية منبثقاً من رؤية علمية منهجية وبعيداً عن أي تأثير فكري، أم كانت لها أهداف أخرى؟ وهو سؤال يعد في ذاته مهماً لكنه قديم وقد طرحت عنه إجابات كثيرة مالت في مجملها إلى تصنيف الجبهة الاستشراقية إلى فريق مناصر للمنهجية والعلمية والعقلانية وتحري الدقة في الأحكام وخاضع للأسس الموضوعية، مستهدفاً بلوغ الحقائق، وفريق آخر آثر الهوى والعبث وإعلاء النزعة العنصرية وتجليات الحقد التاريخي المتأصل في أعماق المدارس الاستعمارية. وقدم الشوربجي استدلالات تاريخية على ذلك خلال بعرضه لنشأة الاستشراق، مروراً بأطواره التاريخية على ما تحمله من تباينات طبقاً للرؤى والأفكار والتوجهات. وتمثيلاً لذلك، قيل إن الاستشراق كانت بداياته من القرن السادس قبل الميلاد مع المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي يعتبر أول مستشرق. كما قيل إنه بدأ في القرن السابع الميلادي في العهد الأموي على يد يوحنا الدمشقي. لكن أياً ما كانت بدايات الاستشراق فقد كانت اللغة العربية هي القاسم الأساسي فيه بالنسبة إلى البدايات كافة، فقد كانت هي المادة الخصبة لموضوع الاستشراق، إذ أنها كانت وعاء الإسلام وشريعته وتراثه. وكان الاهتمام بها يعد المدخل الرئيس لدراسة الإسلام وتراثه. وكان ذلك هو الهدف الأسمى للمستشرقين على اختلاف توجهاتهم، بجانب توافر عدد كبير من المستشرقين على تعلم العربية ودراستها ودراسة علاقتها بالإسلام. ومن ثم اتجهت البحوث نحو فقه اللغة العربية وأصواتها ولهجاتها ونحوها وصرفها وأصولها ومعاجمها وأطوارها وفلسفتها وعلاقتها باللغات الأخرى بل وكل ما أنتجته هذه اللغة. ويمثل الشوربجي بذلك لعدد من أؤلئك المهتمين بالدراسات اللغوية العربية أمثال يوهان فك ومؤلفه «دراسات في اللغة واللهجات والأساليب»، إسرائيل ولفنسون وكتابه «تاريخ اللغات السامية... بحث في اللغة العربية ومنزلتها بين اللغات السامية الأخرى»، هنري فليش وكتابه «تاريخ دراسة اللغة العربية في أوروبا»، ماثيو لمسدن صاحب «القاموس المحيط للفيروز آبادي»، إلى إدوارد لين، وليم رايت، وفيشر. ويرصد الشوربجي أبرز جهود المستشرقين في نشر التراث بعامة والتراث اللغوي بخاصة، ممثلاً ذلك بجمع المخطوطات العربية وجهود النشر والتحقيق والترجمة والتأليف. وعلى صعيد آخر تتجلي إشارته إلى الموقف السلبي من العربية والتراث اللغوي ممثلاً في التشكيك في أصالة الأدب العربي وكذلك النحو العربي، بل وفي قدرة اللغة العربية على التعامل مع العلوم الحديثة. وبغض النظر عن توجهات المستشرقين في دراسة العربية، فقد كانت أهم المناهج التي تم اعتمادها في دراساتهم كانت هي المنهج التاريخي والمقارن والوصفي. وأنهى الشوربجي بحثه بخاتمة مميزة اشتملت على بعض النتائج التي تضمنها محتوى البحث في كليته. لكن يبقي ورغم ما قيل ويقال عن نقائص الحركة الاستشراقية ورغم ما يختلف عليه حول مصادر هذه النقائص والهنات العلمية، فإن فضيلتها إنما تكمن في كونها جدّدت حيوية العقل الإسلامي حين تواجه بتلك التساؤلات الصدامية اتفاقاً واختلافاً مع الروح الإسلامية.

 

أهداف تونس الثورية لاتزال عالقة

 الثلاثاء 11 كانون الأول 2018 - 7:02 ص

أهداف تونس الثورية لاتزال عالقة https://carnegie-mec.org/2018/12/07/ar-pub-77901   تتمة »

عدد الزيارات: 15,838,297

عدد الزوار: 427,547

المتواجدون الآن: 0