العقد الاجتماعي وإشكاليات مرحلة ما بعد النفط في السعودية والإمارات....

تاريخ الإضافة الإثنين 9 آب 2021 - 9:57 م    التعليقات 0

        

العقد الاجتماعي وإشكاليات مرحلة ما بعد النفط في السعودية والإمارات....

مركز كارنيغي... ...ميرا الحسين... إيمان الحسين...

ميرا الحسين مرشحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة كمبريدج البريطانية، تركز أبحاثها على علم اجتماع التعليم العالي في الإمارات العربية المتحدة. ...

إيمان الحسين زميلة غير مقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، وهي متخصصة في شؤون الخليج....

تتخذ السعودية والإمارات إجراءات لتنويع مصادر الاقتصاد استعداداً لمرحلة ما بعد النفط، لكن هذه الإجراءات تهدد بخلخلة العقد الاجتماعي الضمني المرتكز على شرعية تقليدية قوامها الولاء القبلي وأبوية الحاكم، والحفاظ على الأعراف الاجتماعية، والامتيازات الممنوحة للمواطنين.

اهتم عدد من محللي الخليج على مدار الأسابيع الماضية بتفسير الخلاف الذي عكر صفو علاقة الحليفين القديمين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأدى بكل منهما إلى اتخاذ مسارات متباينة لخدمة مصالحها الإقليمية والمحلية. بدت أولى مؤشرات الفُرقة في نهاية 2019، عندما أعلنت الإمارات نيتها الانسحاب من اليمن في خطوة وصفها الخبراء والمراقبون بأنها "تَخَلٍ عن حليف".

وتلى ذلك، في فبراير 2021، أن أصدرت السعودية إنذاراً بمنع الشركات الأجنبية من الحصول على عقود حكومية إن لم تنقل مقرها الإقليمي الرئيس إلى المملكة بحلول 2024، لتوجه ضربة موجعة للإمارات التي يمسها القرار بشكل مباشر.

وبالرغم من أن ردود الفعل الرسمية كانت هادئة، إلا أن ترسبات قرارات مسبقة، اعتبرها كِلا الجانبين غير مواتية، أدت إلى ظهور خلاف علنيٍ غير مسبوقٍ بينهما في الاجتماع الأخير لتحالف "أوبك بلاس" في حزيران / يونيو 2021.

وفور ظهور الخلاف اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات مواطني البلدين الذين سارعوا لدعم الموقف الرسمي لبلادهم في رد فعل تلقائي بدا متناقضاً تماماً مع الموقف المتردد الذي اتخذوه في أعقاب قرار حصار قطر في 2017، والذي أجبر المدعي العام الإماراتي وقتها على إصدار تحذيرٍ شديد اللهجة يُجرّم التعاطف مع قطر عبر الوسائل الالكترونية. والواقع أن توجيه الرأي العام لم يكن ضرورياً في خلاف الأوبك بلاس لأن المواطنين الذين اعتادوا على الرفاه الاقتصادي ما كانوا ليترددوا في دعم المصالح الاقتصادية لبلادهم.

ويطرح هذا الموقف الداعم للدولة سؤالاً مفصلياً عن مدى استعداد المواطن الخليجي، الذي طالما تخلى عن حقه في المشاركة السياسية في مقابل ما يحصل عليه من امتيازات اقتصادية، قد تكون حالياً مهددة بالتضاؤل، لتحدي العرف السياسي المستقر القائل بأن إدارة شؤون الدولة هو اختصاص الحكومة وليس للمواطن فيه ناقةٌ ولا جمل.

ويطرح أيضاً إشكالية جديدة تواجهها كلاً من السعودية والإمارات، بسبب انخفاض عائدات النفط والرغبة في تنويع مصادر الدخل القومي، ألا وهي أن محاولة إضفاء الحداثة على نظام الحكم الهرمي المحافظ بغرض جذب المستثمرين الأجانب قد يهدد استمرارية العقود الاجتماعية القائمة والمستقرة في كلا البلدين.

المملكة العربية السعودية

تتضمن رؤية 2030 للمملكة، وهي خارطة طريق لمرحلة ما بعد النفط، مجموعة كبيرة من التغييرات الاجتماعية التي تستهدف تحويل المملكة إلى قِبلة سياحية وتجارية عالمية. وقد وجدت المملكة، التي تقتفي خُطى دبي، في مساحاتها الشاسعة وموقعها الجغرافي المتميز على البحر الأحمر فرصة سانحة لتحقيق هدفها هذا، ما دفعها لتخصيص ما يقارب 810 مليار دولار لتطوير قطاع السياحة في السنوات القادمة، الأمر الذي سيؤدي لخلق نحو ثلاثة ملايين فرصة عمل يذهب ثلثاها لغير السعوديين من الوافدين.

والواقع أن المملكة تسعى لزيادة عدد الوافدين المقيمين على أراضيها من 30 في المئة إلى 50 في المئة من مجموع السكان في المستقبل القريب. ولذلك فقد تبنت حزمة من الإجراءات الجديدة التي تسمح للمقيمين بالحصول على العديد من الميزات مثل الإقامة الدائمة والحق في إنشاء المشاريع التجارية وتملك العقارات والاستثمار فيها. والمدهش أن هذه التغييرات الجديدة قد دفعت أعضاء مجلس الشورى، وهو هيئة استشارية يعينها الملك، لصياغة مُقترح يطالب بمنح أطفال السعوديات المتزوجات من غير السعوديين حقوقا متساوية.

وعلى الرغم من أن المملكة، بعد طول انتظار وجدل، قد سمحت للنساء بقيادة السيارات، إلا أن التغييرات الجديدة التي تسعى لتحقيقها لا تزال تواجه مقاومةً، بسبب تمسك المواطنين بهويتهم الدينية ورفضهم محاولات الحكومة للترويج لنسخة معتدلة من الإسلام. وعلى سبيل المثال، أثار المغردون على تويتر عاصفة من الجدل عندما قررت وزارة الشؤون الإسلامية تنظيم مكبرات الصوت الخارجية للمساجد وتحديد استخدامها، على الرغم من أن الوزارة بررت قرارها برغبتها في دفع الأذى عن الأطفال والمرضى ومن يصلون في بيوتهم. وأثارت ردود الفعل هذه مخاوف الحكومة من إعلان رغبتها في السماح للمحلات بالبقاء مفتوحة خلال أوقات الصلاة ولذا لجأت إلى اتحاد الغرف التجارية السعودية، وهي هيئة تمثل مجتمع الأعمال السعودي، ليساعدها في الترويج للفكرة كإجراء وقائي ضد وباء كوفيد 19. والحقيقة أن هذا الموقف المفتقر للشفافية يوضح كيف تسعى الحكومة لتجنب الجدل الشعبي حول محاولاتها لتقليص دور الدين في الحياة العامة للمواطنين، برغم إصرارها على استهداف شريحة الشباب "بالإسلام المعتدل".

ولا شك أن الضغوط على استقرار العقد الاجتماعي قد تزايدت في ظل اجراءات التقشف التي تبنتها المملكة مؤخراً وعلى رأسها مضاعفة ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أمثالها لتصل إلى 15 في المئة في 2020. وسعياً لتخفيف نتائج عجز الموازنة تعجلت الدولة في خصخصة 16 قطاعاً رئيساً، مثل قطاعي التعليم والصحة، آملةً في تحصيل ما يقارب من 55 مليار دولار على مدار السنوات الأربع القادمة. وبالرغم من حرص المسؤولين السعوديين على التقليل من شأن الآثار المحتملة لعمليات الخصخصة تلك على المواطن السعودي، إلا أن انعدام الشفافية حول هذا التغيير أثار مخاوف المواطنين على استقرارهم وأمنهم الوظيفي الذي طالما تمتعوا به في القطاع العام.

الإمارات العربية المتحدة

من بين دول الخليج كافة، لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً سبّاقاً في تعزيز مبدأ المواطنة والهوية الوطنية في الخليج. وقد بدأت مشروعها هذا بخطوات متواضعة في منتصف عقد الألفين تمثلت في تبني رمز وطني، مثل الشيخ زايد، أو هدف وطني، مثل الهوية الوطنية أو التسامح، وهندسة برنامج اجتماعي متكامل حولها كما حدث في 2016 عندما قدمت الدولة فكرة التجنيد لأول مرة. ولكن هذه الدعوة الحاشدة لتشكيل "هوية وطنية" والتي حفزها الخلل الديموغرافي المتزايد الذي كشف عنه إحصاء عام 2005، تتصادم باستمرار مع المخططات المتغيرة للدولة. وقد أجبر وباء كوفيد19 والنهاية الوشيكة لعصور النفط الإمارات على تبني سياسات ما كانت لتخطر لها على بال.

ولعل أكثر هذه السياسات جَرأةً وتحدٍ كان إعلان الدولة في آب/ أغسطس 2020 تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. والحقيقة أن ما تلى هذا الإعلان من احتفاء مدبّر كان صدمة كبيرة للمنطقة بأسرها بالرغم من مسارعة الإماراتيين للاحتشاد وراء حكومتهم – وليس وراء قرار التطبيع- وإبداء مظاهر الولاء والطاعة. ولكن هذه الصورة البراقة للوحدة والتوافق سرعان ما تحطمت على صخور الأحداث المتلاحقة لتظهر بوادر الفرقة والشقاق.

وتَمَثّلَ أول تلك الأحداث في إصلاح قانوني غير مسبوق يستهدف فيما يبدو خلق مناخ جاذب للوافدين الأجانب، حيث ألغت الدولة تجريم استهلاك الكحول والتعايش بين غير المتزوجين. ولم يكد غبار هذا القرار ينقشع حتى أعلنت الحكومة أنها ستمنح الجنسية الإماراتية للراغبين من المستثمرين وغيرهم من المهنيين الأجانب. وبالرغم من الصمت المتحفظ الذي قابل هذه القرارات إلا أن الإماراتيين المتمرسين في فن التلميح لم يترددوا في إطلاق ألسنتهم بالرثاء للغة العربية والهوية الوطنية معاً.

وفي تغريدة تم مسحها الآن، أشار مواطن إماراتي حائر لم يذكر اسمه، إلى أن المُجَنسين الجدد سيُسمح لهم بالاحتفاظ بجنسياتهم الأصلية في حين لا يُسمح بهذا للمواطنين الإماراتيين، وتساءلت التغريدة أيضاً عن ثقافة المشاركة في القرار السياسي التي اعتاد عليها هؤلاء وكيف ستؤثر هذه الأفكار على الإمارات العربية المتحدة.

ثم جاءت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على فلسطين لتكشف شقوقاً جديدةً في جبهة الرأي العام وتؤدي إلى المزيد من الإدانات والاحتجاجات ضد الحليف الجديد للدولة. وبالرغم من سيطرة الدولة على منصة تويتر، إلا أن إدانة الاماراتيين لإسرائيل كانت قوية ومسموعة، ولم يترددوا في توبيخ بعض مواطنيهم من المُتراخين الذين تبنوا حديث " السلام والتسامح" في وقت يستوجب الغضب والشدة.

وبالرغم من أن انحسار عصر النفط لا يحمل معه نهاية الدولة الإماراتية، ولكن تبعات هذا الانحسار قد تقوض الامتيازات التي يرتكز عليها العقد الاجتماعي وتؤدي إلى واقع غير مريح للمواطن الإماراتي بينما تتهيأ البلاد لمزيد من التحولات.

لقد أدى الاستقطاب المتزايد داخل المجتمع الخليجي في أعقاب الانتفاضات العربية وما نتج عنها من إشكالات، ومن محاولات دؤوبة لإعادة هندسة المجتمع إلى تأليب الشريحة الاجتماعية المحافظة على شقيقتها الليبرالية، وأصبحت قدرة دول الخليج العربي على الحفاظ على عقودها الاجتماعية مع مواطنيها متوقفة على ذكائها في تجنب خلق مظالم جديدة بينما تسعى لحل المظالم القائمة.

 

 

 

سبع مناطق في اليمن: كيف انقسم اليمن وسقط وماذا يأتي بعد ذلك...

 الخميس 14 تشرين الأول 2021 - 10:46 ص

سبع مناطق في اليمن: كيف انقسم اليمن وسقط وماذا يأتي بعد ذلك... سيكون لتفكك اليمن تداعيات خطيرة عل… تتمة »

عدد الزيارات: 75,112,998

عدد الزوار: 1,957,535

المتواجدون الآن: 48