مداولة الإسلام .. أسلمة الدولة

تاريخ الإضافة الثلاثاء 16 حزيران 2009 - 6:33 ص    عدد الزيارات 544    التعليقات 0

        

إنه من نافل القول إن الإسلام يشكّل مكوّنا ثقافيا أساسا في تركيبة الهيئة الثقافية العربية الجمعية. لكن أين يقع الإسلام اليوم من هيكلية الدولة بمؤسساتها ومرجعياتها وبيئتها السياسية؟ وما هو الدور الذي يفترض أن يلعبه الإسلام في المجتمعات المعاصرة، وهل يستعدي هذا الدور حراكا فاعلا وواعيا في التجديد والإصلاح لـ"المفهوم" الديني، في اقتباس لرؤية المفكر برهان غليون في ضرورة "تجاوز وثنية المفاهيم"؟ وما هي درجة قابلية الإسلام للتجديد في ظل المقولات المتشددة التي يعتقد أصحابها أنه ـ أي الإسلام ـ دين لا يميز بين ما هو زمني دنيوي وروحي عقائدي، وبالتالي هو غير قابل للتجديد؟ وإذا ما كان هناك بوادر للتجديد الديني الإسلامي، فهل سيكون على طريقة مارتن لوثر في إصلاحه للكنيسة الكاثوليكية في القرن الخامس عشر، ليقوم على أيدي رجال وعلماء دينيين؛ أم أن للدولة، والمجتمع، والمثقفين موقعا في هذا التجديد؟
من المحتّم علينا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المسألة الدينية وتداعياتها الاجتماعية أن نطرح المعضلة على طاولة الحوار، ونعمل على قراءة حيثياتها وأبعادها قراءة نقدية متأنية ومعمقة بعيدا عن الأفكار الجاهزة، وعن العصبية ـ دينية كانت أم سياسية ـ، وكذا عن النظر الضيق والمفصّل على مقاس الحدث العابر لا على امتداد سيالة التاريخ الموصول؛ ونسعى ـ نتيجةً ـ إلى الخروج بموقف موحّد وموضوعي ومنسجم مع الذات، ما يمكّن من توحيد الإمكانات، والوصول إلى إجماع شعبي عريض لمنهجية توافقية تستوعب مخاطر هذا المنعطف التاريخي وتستجيب لتسارع المتغيرات الدولية في السياسة والثقافة والاقتصاد، والخروج بتوليفة معاصرة تحمل ديناميكية الحداثة العالمية، ومرجعية الثقافة العربية، وروحانية الدين الإسلامي.
تحييد الإسلام السياسي
من البديهي القول إن الجدل الراهن القائم في مثلث (الإسلام ـ السياسة ـ المجتمع)، والذي تحول سريعا إلى مواجهات فكرية وسياسية ـ وأحيانا عنفية ـ تجلت في الممارسات العنفية للجماعات الدينية المتطرفة، إنما ينطوي على رهانات واستحقاقات لا بد من الاعتراف بها ومعالجتها من أصولها؛ استحقاقات تتمحور حول رؤيتنا للإسلام، وقراءتنا لنصوصه، في ظل المتغيرات والتحولات الكونية.
لا تكمن المعضلة هنا في النص الديني الإسلامي، فهو نص ثابت لم يتغير منذ تدوينه، بل هي تقبع في الصلب من المجتمعات الإسلامية بوصفها امتدادا تاريخيا وثقافيا وجغرافيا للإسلام؛ مجتمعات نأت بنفسها عن قراءة الحالة المدنية في الشريعة الإسلامية، ودرجت على استحضارها كمفهوم عقائدي سياسي جامد غير قابل للعصرنة والتحديث.
إن غياب حاسة النقد للخطاب الديني وتراجع الفعل الاجتهادي في النص، هما ـ مجتمعان ـ ما أجّج الصدام، المتواصل أصلا، بين الجماعات الإسلامية من جهة، والتيارات العلمانية، من جهة أخرى؛ الأمر الذي أودى إلى تعاظم الاحتقان الاجتماعي في ظل غياب أرضية مشتركة للحوارعلى المستوى "الرؤيوي" بدايةً، ومفاعيله على مستوى التطبيق السياسي، نتيجةً؛ أرضية تجمع فئات المجتمع كافة بجماعاته وتياراته وتنظيماته، المدنية منها والدينية، من أجل صياغة عقد اجتماعي جديد لا يبتعد عن الدين "جوهرا" ولا يتماهى فيه "فعلا سياسيا"، بل يقف على مسافة واحدة من الأديان والمذاهب والأطياف السياسية كافة، في ظل تمكين مفاهيم الدولة المعاصرة التي أسّها ومرجعيتها "المواطنة" لا "الدين"، الدولة المعاصرة التي تقوم على فصل السلطات، وإطلاق الحريات العامة، وإقرار التعددية السياسية، ومداولة السلطة، وتمكين المرأة، وإحقاق التكافؤ في الفرص، ودفع العدالة الاجتماعية. وفي ظل هذا التحول الدراماتيكي في علاقة الإسلام بالشأن السياسي يغدو دور الجماعات الإسلامية ـ حصرا ـ دوراً "دعوياً" يتداول القيم الإسلامية التي هي أصلا قيم إنسانية وأخلاقية وضميرية؛ ما يمهد الطريق واسعاً للاجتهاد وتجديد الخطاب الإسلامي ونقده لتخليصه من الشوائب والتراكمات الزمنية، التمكّن، تاليا، من أدوات تفعيل حركة التنوير النهضوي المرتجاة بعيدا عن التجاذبات السياسية المعطِّلة.
"تمارين" في الإصلاح
في العام 1992 قامت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بالتأسيس لـ "حزب العمل الأردني" كرديف سياسي للحركة، ما ساعد ـ بصورة تدريجية ـ على تحول الجماعة إلى جهة دعوية ومرجعية روحية لهذا الحزب، ما سمح له أن يكون حزبا مدنيا لا دينيا، تتحدد مهامه في العمل على بناء المجتمع المدني وإرساء قواعد الدولة المدنية، وفي دفع التحول المنهجي للجماعة نحو الاعتدال والانسجام مع المعطيات السياسية على أرض الواقع والمُعاش ـ خروجا من دهاليز المغالاة والاقتباسات الفقهية المتشددة.
أما في مصر، فشهدنا مؤخرا دعوة لافتة أطلقها الأنبا مرقص المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثودكسية من أجل إدخال تعديلات المادة الثانية في الدستور المصري التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"، مطالبا بحذف "الألف واللام" من كلمتي "المصدر الرئيس"، لتصبح "الشريعة الإسلامية هي مصدررئيس للتشريع" وذلك لضمان وجود "مصادر أخرى". ورغم تراجع الكنيسة عن تصريحات متحدثها الرسمي، وكذا تصريح جمال مبارك نجل الرئيس المصري حسني مبارك والعضو البارز في الحزب الحاكم، والذي تناقلته وسائل الإعلام يوم الجمعة من تاريخ 9 آذار 2007، مفاده "أن الشريعة الإسلامية ستبقى المصدر الرئيس للتشريع، وأن التعديل الدستوري المقترح لن يطال المادة الثانية منه"..؛ غير أن التجاذبات الحادة تلك، والتي يدور رحاها بين المؤسسات الدينية، والهيئات الرسمية، والمنظمات المدنية، إنما هي مؤشر جلي على الحراك السياسي الجمعي الذي بدأ يؤسس ـ ولوبخجل ـ لنهج رصين يعيد هيكلة علاقة الإسلام بالدولة من جهة، وبالمجتمع، من أخرى.
وفي الحديث عن الإصلاح في الدولة الإسلامية، تحضرنا تجربة الرئيس التونسي بورقيبة. فرؤية بورقيبة الخاصّة للدين الإسلامي التي تقوم على الاجتهاد، وتوجهاته العلمانية التي تجلت في الإصلاحات المؤسسية التي قام بها في السنوات الأولى للاستقلال وفي مظاهر العلمنة والتحديث الثقافي التي يتضمنها خطابه السياسي، جعلت اسمه يقترن باسم الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك في تناوله لقضية الإصلاح الديني في الدول الإسلاميّة. إن علاقة بورقيبة الجدلية بالدين والقضايا الإسلامية التي عالجها منذ نصف قرن، لا تزال في موقع الأخذ والرد في معظم الدول الإسلامية، وأضحت إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر محور تداول عالمي.
أخلص، نهايةً، إلى طرح رؤيتي للمعادلة "البولي ـ لنغويستيك" في تجديد الإسلام والتي ترتكز على مبدأ " مداولة الإسلام"، وأقصد هنا بالمداولة ردُّ الإسلام إلى جوهره الاعتقادي الروحي الأول كونه علاقة منفردة ومتفرّدة بين الفرد والله، لا ثالث ولا وسيط فيها، ومداولة الإسلام ـ تاليا ـ ضمن فضائه الحيوي الذي مساحته ضمير الفرد الشخصي والإدراك الجمعي الوجداني؛ هذا في سياق مواجهات نقدية ملزِمة لسياسات "أسلمة الدولة" وما تفرزه من غيبيات وإفتاءات جماعية قسرية، في ظل من الاحتقان السياسي والاصطفاف المذهبي والانقسامات العقائدية السياسية التي تضع منطقة الشرق الأوسط برمتها على حافات الانزلاق إلى حروب أهلية وطائفية نستطيع أن نتوقع انطلاق شرارتها الأولى، لكن اندلاع حرائقها المدمّرة لن تحكمه جغرافيا ولا زمان.
() باحثة ومدرّسة جامعية في الولايات المتحدة

Four Conflict Prevention Opportunities for South Africa’s Foreign Policy

 الخميس 2 نيسان 2020 - 7:13 ص

Four Conflict Prevention Opportunities for South Africa’s Foreign Policy https://www.crisisgroup.… تتمة »

عدد الزيارات: 37,196,479

عدد الزوار: 928,639

المتواجدون الآن: 1