لتكن ثورة ضد الفساد السياسي!

تاريخ الإضافة الثلاثاء 7 شباط 2012 - 7:29 ص    عدد الزيارات 308    التعليقات 0

        

 

لتكن ثورة ضد الفساد السياسي!
بقلم د. ماجد منيمنة
 يعد الفساد بكافة انماطه داءاً ً وخطراً محدقاً ينخر في مفاصل الدولة كما تنخر الدودة في الشجر وتؤدي في النهاية الى اسقاطها والقضاء عليها وكذلك الحال بالنسبة للفساد. مما لا شك فيه ان احد اخطر انماط الفساد ومظاهره هو الفساد السياسي او فساد النخبة السياسية وقد اعتبرته كافة الدراسات على قمة الهرم بين انماط الفساد الاخرى منه الاداري والاقتصادي وأحد عوامل ديمومة من هم في السلطة من الفاسدين مع انتشار ثقافة الفساد على حساب مفاهيم النزاهة والعفة والاخلاق.
ان الفساد السياسي هو المرادف للقوة التعسفية ويعني استعمال القوة لتحقيق غرض يختلف عن الغرض الذي على اساسه تم منح هذه القوة. ان هذا التعريف يحاكي الانظمة ذات الحكم الشمولي الحزبي الضيق، حيث ان الصفة الغالبة على هذه الانظمة هي قمع الحريات وغياب مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان وانعدام مفهوم السلطات الثلاث التنفيذية،التشريعية، القضائية حيث ان هذا الثالوث يندمج بقوة واحدة الا وهي السلطة الحزبية المدعومة بقوة السلاح، حيث تكون هي المشرعة والقاضية والمنفذة في ذات الوقت وكنتيجة لهذه السياسات سوف ينعدم دور الشعب في ادارة شؤون دولته وفق الية المواطنة والتي هي عبارة عن شراكة حقيقية ما بين المواطن من جهة والدولة من جهة اخرى ويندرج ضمن هذا المفهوم عدد من الحقوق الاخرى ومنها الحق في المساءلة والحق في الحصول على المعلومات والحق في اختيار القوى السياسية الممثلة لارادة الشعب. ان هذه الحقوق سوف تذهب كلها ادراج الرياح وتضرب عرض الحائط كنتيجة لمفهوم القوة التعسفية المرادفة لمفهوم الفساد السياسي. ويرى صموئيل هنغتون ان الفساد السياسي هو الوسيلة لقياس مدى غياب المؤسسات السياسية الفاعلة. ان هذا التعريف فيه اشارة الى مفهوم التعددية الحزبية حيث نلاحظ ان الدول ذات الحكم الشمولي فيها حزب واحد فقط ولا يسمح بالتعددية الحزبية وان وجدت فتكون بمثابة غطاء لأعمال الحزب الفاعل وتكون هذه التعددية غير فاعلة. و هناك اتجاه اخر في بيان خصائص الفساد السياسي من خلال صوره واشكاله، اي انه يعني غياب حرية الرأي، الديمقراطية، مفاهيم حقوق الانسان، مفاهيم الشفافية والمساءلة او هي بمعنى اشمل غياب مفاهيم المواطنة.
ان صور ومظاهر الفساد السياسي لها من التاثيرات السلبية على كافة الجوانب والنواحي الاقتصادية والاجتماعية للدولة ويمكن ايجاز هذه التاثيرات بالاتي:
1. ان انعدام الشراكة ما بين المواطن والدولة وفق الية المواطنة والديمقراطية تؤدي الى ان تكون سياسة الدولة غير ممثلة لامال وتطلعات الشعب وهذا يؤدي بالنهاية الى خلق نوع من عدم الارتياح لدى المواطن الذي سوف ينعكس في الساحة الداخلية للدولة على شكل اضطرابات داخلية تنعكس حتى على الامن القومي للبلد.
2. ان الفساد السياسي متمثلاً بالمحسوبية والمحاباة والفئوية والطائفية تؤدي الى صعود وارتقاء اشخاص ليس لديهم اي كفاءة علمية الى المناصب الادارية والمناصب الحساسة في الدولة وبالتالي سوف يؤدي ذلك الى حصول تشويه في الجهاز الاداري.
3. ان الفساد السياسي متمثلاً بانعدام الاخلاقية السياسية والتزوير في الانتخابات واستخدام القوة من اجل الوصول الى السلطة يؤدي الى ارتقاء اشخاص ليس لهم الحق في تسلم هذه المناصب وليس لهم سوى تحقيق مصالحهم وغاياتهم الشخصية فقط على حساب حقوق الشعب.
4. ان الفساد السياسي المتمثل بدفع الرشاوى لكبار المسؤولين من اجل الفوز بالعقود الانشائية الضخمة تؤدي الى حصول تشويه كبير جداً في البنية التحتية للدولة.
5. ان ظاهرة الابتزاز التي يقوم بها كبار المسؤولين متمثلة بالتعقيدات الاجرائية والروتين تؤدي الى هروب رؤوس الاموال من البلد.
ان دراسة ظاهرة الفساد السياسي تكتسب اهمية خاصة بالنظر للتداخل الحاصل بين انماط هذا الفساد والانماط الاخرى ونظراً للتاثيرات السلبية لهذه الظاهرة ونتائجها السلبية على المجتمع. لقد اجمعت كافة الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة على ان علاج ظاهرة الفساد السياسي لا يمكن ان يتم الا من خلال الاصلاح السياسي والذي يظهر بشكل عملية ديناميكية حيوية مستمرة تستهدف في العادة الخصائص الرئيسية للنظام السياسي الموجود وربما تهدف على المدى البعيد الى تغير النخب السياسية وحتى الى القوانين الاساسية والدساتير من اجل استيعاب روح العصر وطرح رؤية وطنية للتعامل معه بهدف تحقيق هدف واحد واكيد وهو اصلاح الخلل في النظام السياسي.
والفساد يوصف على أنه إساءة استخدام السلطة لأجل الفائدة الشخصية، حيث تتساوى مخاطر الفساد، سواء واسع النطاق أو ضعيفه في أنها تقوض تطور المجتمع المدني وتفاقم الفقر، خصوصا عندما يسيء المسؤولون إدارة أو استخدام الموارد العامة التي كان يجب أن تستخدم لإيجاد حياة أفضل، كما أنه يشكل من جهة أخرى تهديدا خاصا للديمقراطية وحكم القانون، وتحديدا في البلدان النامية الانتقالية، حيث يقوض المساءلة المالية ويعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعيق الأداء الاقتصادي ويقلل الثقة بالنظامين القانوني والقضائي، لذا فيبدو بوضوح، أن الفساد بات قرين التحولات الديمقراطية، أو فوضى الديمقراطية. والفساد السياسي ظاهرة قد تتداخل أو تفترق عن الفساد المالي أوالاجتماعي إلا أنها تكون مع هذين النوعين من الفساد ثالوثا متضافرا لتخريب أي عملية لبناء الدولة وتنمية المجتمع وترسيخ المؤسسات. والفساد السياسي مصور بممارسات يقوم بها السياسيون وتستهدف التحايل إن لم يكن الخرق المباشر للقانون عبر إساءة استخدام السلطة وتوظيفها لمصالح تقع خارج إطار الاختصاص القانوني أو الإداري أو التشريعي ولا تنسجم مع مصالح الشرائح الاجتماعية التي يفترض أن يسعى السياسي إلى تمثيلها أو التعامل معها. ويتجسد الفساد السياسي عبر المحسوبية والمحاباة والانتقائية في تطبيق القانون وتقديم الرابطة الشخصية أو العائلية أو الفئوية على عناصر الكفاءة والقابلية في التعيين أو توزيع الخدمات أو التعاقد، كما أنه يأخذ أشكالا أكثر خطورة عندما يصل سوء استخدام السلطة إلى مرحلة تقديم مصلحة الدول أو الأطراف الخارجية على المصلحة الوطنية. إن الفساد السياسي يروج عندما تتوفر عناصر من أهمها، ضعف وتفكك مؤسسات الدولة وغياب التنسيق والإدارة وإمكانية المحاسبة فيها، وثانيها، اختراق تلك المؤسسات من جهات أو مصالح تتخطى بل وتناقض أحيانا المصلحة العامة التي استوجبت وجود تلك المؤسسات، وثالثها، غياب أو ضعف الثقافة المؤسساتية والبنى الاجتماعية الحديثة المواتية لها وسيادة وهيمنة البنى التقليدية مع كل ما تتطلبه من تضامنات عشائرية أو مناطقية أو طائفية ومن شخصنة العمل السياسي والمؤسساتي، يسهل ذلك ضعف أداء أو كفاءة آليات الضبط والموازنة، لا سيما عندما يخترق الفساد السياسي تلك المؤسسات التي يفترض أن وجودها وفاعليتها شرط أساسي للحيلولة دون استشرائه، ويتم ذلك في ظل ضعف الشعور الوطني والهوية الوطنية وسهولة انقياد السياسيين لخدمة مصالح قوى وجهات خارجية دون امتلاك حصانة لمقاومة إغراء تلك الجهات. وإذا ما نظرنا إلى هذه المعطيات سيكون بإمكاننا القول بسهولة إن النظام السياسي اللبناني يخضع إلى حد كبير لحالة من استشراء الفساد السياسي الذي قاد إلى إضعاف فاعلية الدولة وكفاءة أجهزتها في التصدي إلى الإشكاليات القادمة كما وفر عناصر إضافية لإعاقة التنمية والإصلاح والتطوير بفعل تحويل بعض المؤسسات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية إلى أجهزة لإعاقة الدولة من داخلها وإلى كبح أي خطوات للتغيير الجدي أو لإعادة بناء المؤسسات على أسس سليمة تؤدي إلى محاصرة ظاهرة الفساد السياسي وإضعاف قابليتها على التخريب.
إن المحاصصة الحزبية هي إحدى أوجه الفساد السياسي لا سيما حينما تتجلى في أكثر حالاتها تطرفا كتلك المتمثلة باستغلال المنصب الوظيفي لرفد المصالح الحزبية على حساب المصلحة العامة أو لإعاقة ومقاومة مشاريع من شأنها التخفيف من معاناة المواطنين وتفعيل أداء المؤسسات. بالمثل فإن الشخصنة المفرطة للمنصب السياسي هي جزء من تراث الدولة اللبنانية وأحد أهم عوامل فشلها لأنها تقترن بإضعاف البنية المؤسساتية وبسيادة العقلية التآمرية والانهماك بالدفاع عن المنصب على حساب القيام بالواجبات التي يفترضها. إلا أن الذي بات يلحظ عندنا وبمفارقة أن الفساد السياسي بات يقتسمه من هم في الحكم ومعارضوهم، كما يقتسمه من هم في داخل العملية السياسية ومن يسعى لتقويضها، فكأن النقد هو بقصد تبادل الأدوار والمواقع ليس إلا.
ربما المستقبل القريب يختزن الأفضل في ظل الأمل بتراجع الاهتمام والانشغال بالدوافع الإثنية والقومية والطائفية في تفضيلات الناخب وبأنها لن تعود ذات دور حاسم في اختياره لمرشحيه، وأن تتقدم بدلا عنها عوامل أخرى كالقدرة على الإصلاح وإحداث النمو الاقتصادي وخلق وتعظيم الموارد الكفيلة بتمويل طموحات الناس لحياة أفضل، إلا أن هذه البرامج والانشغالات يلحظ وبأسى أنها غائبة أو منزوية عن أغلب برامج القوى السياسية. ونقول لتكن هذه ثورة ضد الفساد السياسي في الوطن!!

Iran Briefing Note #5

 الأحد 21 تموز 2019 - 10:23 م

Iran Briefing Note #5 https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-penin… تتمة »

عدد الزيارات: 25,961,016

عدد الزوار: 634,083

المتواجدون الآن: 0