النظام السوري حبَى مجمّع الفتح الإسلامي بالنفوذ، لكن بأي ثمن؟..

تاريخ الإضافة الجمعة 4 كانون الثاني 2019 - 8:14 ص    التعليقات 0

        

النظام السوري حبَى مجمّع الفتح الإسلامي بالنفوذ، لكن بأي ثمن؟..

ليلى الرفاعي..

ليلى الرفاعي صحافية سورية، ومؤلّفة، وطالبة سابقة في معهد الفتح الإسلامي. وتركّز على الأطراف الفاعلة الدينية السورية وتطوّرها بعد انتفاضة العام 2011...

مركز كارنيغي....ملخّص: حصدت بعض المؤسسات الدينية نفوذاً بعد اندلاع الانتفاضة السورية. لكن توجب عليها في المقابل دفع ثمن تمثّل في استخدامها من قِبَل النظام لتحقيق مصالحه وأغراضه الخاصة...

الإسلام السياسي

بعد اندلاع الانتفاضة السورية في 2011، حصدت بعض المؤسسات الدينية نفوذاً بشكل لاسابق له منذ استقلال البلاد العام 1945. هذا التطوّر جاء إثر الجهود التي بذلها نظام الرئيس بشار الأسد لوضع هذه المؤسسات قيد السيطرة المُحكمة للدولة. بيد أن الثمن الذي دفعته هذه الهيئات تمثّل في استخدامها من قِبَل النظام لتحقيق مصالحه وأغراضه الخاصة، فيما هي تخسر استقلاليتها الإدارية التي كانت، حتى ذلك الحين، سمة تعريفية مميّزة للمؤسسة الدينية السنّية في سورية.

أبرز مثال على ذلك هنا كان مجمّع الفتح الإسلامي الذي يدرّس الدين والفقه الإسلاميين واللغة العربية. فقد تم تحويل المجمّع، (جنباً إلى جنب مع مؤسستين أُخريين هما مجمّع السيدة رقية ومجمّع أبي النور الإسلامي، اللذين أسسهما المفتي العام السوري الشيخ أحمد كفتارو في الفترة بين 1964 و2004)، بموجب المرسوم التشريعي الرقم 48 في 4 نيسان/أبريل 2011. وقد ساهم هذا المرسوم في تدشين دمج هذه المؤسسات بهيكلية الدولة، وفي اعتراف وزير التعليم العالي في خاتمة المطاف بالشهادات التي تصدرها هذه الهيئات، ما سمح لخريجيها بشغل وظائف في الدولة وبالدراسة في الخارج.

تم إنفاذ هذه الخطوة من خلال توحيد الأقسام ذات المستوى الجامعي الموجودة في هذه المؤسسات الثلاث (باستثناء مدارسها المتوسطة والثانوية)، ووضعها في إطار هيكلية واحدة تحت مظلة وزارة الأوقاف، تحت مسمى معهد الشام العالي للعلوم الشرعية واللغة العربية والدراسات والبحوث الإسلامية. وفي كانون الثاني/يناير 2017، نحت الدولة خطوة أخرى حين حوّلت عملياً هذا المعهد إلى جامعة عامة تُدعى جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية.

والحال أن مسار مجمّع الفتح الإسلامي يعكس حقيقتين أساسيتين حول العلاقة بين الدولة وبين علماء الدين في سورية. الأولى، هي أنه لم يعد هناك هيئات دينية خارج إدارة الدولة، ما وضع خاتمة لقرون من استقلاليتها الذاتية؛ والثانية، أن النظام استفاد أكثر من خلال استخدام هذه المؤسسة لصالحه، على رغم أن هذه الأخيرة أصبحت أكثر أهمية بفعل روابطها بالنظام.

الإسلام المعتمد رسمياً تحت مظلة حزب البعث

حين استولى حزب البعث على السلطة العام 1963، خرج عن سياقات الأنظمة السابقة، حين لم يحاول تطوير بيروقراطية دينية. صحيح أنه كان ثمة محاولات سابقة قبل عهد البعث لزيادة سلطة الدولة على المؤسسات الدينية، إلا أنها لم تكلل بالنجاح في الغالب. أما حزب البعث فقد نحى جانباً هذه الجهود، مفضلّاً عليها المقاربة الأمنية المُتشددة للدين.

في ظل البعث، لم يكن العلماء جزءاً من بيروقراطية الدولة، كما لم يكن لهم هيئات تمثيلية أو اتحادات أسوة بمنظمات أخرى شكلتها الدولة لمراقبة الفئات الاجتماعية. كانت نقطة التواصل الرئيس آنذاك بين الدولة وبين المؤسسة الدينية هي وزارة الأوقاف، وهي هيئة ضعيفة ذات نفوذ ضحل. هذا النمط من العلاقة بين الدولة والعلماء يتناقض حرفاً بحرف مع الروابط التي كانت قائمة بين الأزهر والدولة المصرية، وبين مجلس كبار العلماء والدولة السعودية. وهذا يفسّر لماذا كان الشيخ أحمد كفتارو، الذي أصبح مفتي البلاد بعد انتخابه في وزارة الأوقاف، شخصية رمزية لا يتأتى نفوذه سوى من شبكة علاقاته الخاصة، وليس من موقعه المؤسسي هذا.

كل ذلك ترك بصماته على علماء الدين في سورية. فالمسافة التي كانت تفصلهم عن الدولة سمحت لهم بأن يصبحوا مستقلين اقتصاديا، حيث اعتمدوا أكثر على القطاع الخاص للتمويل، فيما هم يصبّون تركيزهم على العمل الاجتماعي بدلاً من النشاط السياسي. كانت المؤسسة الدينية لامركزية، ما أسفر عن خلق فئات وروابط من علماء الدين لهم درجات متباينة من العلاقات مع الدولة. استفاد الطرفان، الدولة والعلماء، من هذا النمط من العلاقات، فيما أسبغت الروابط على النظام الشرعية الدينية والسياسية. وفي المقابل، لبّى النظام المطالب الأساسية للعلماء، خاصة منها ديمومة النزعة الدينية والاجتماعية المُحافظة، ورفع مكانة العلماء وأهميتهم. هذا علاوة على تلبية مطالب كل رابطة في سياق التنافسات الداخلية فيها وفي ما بينها. وهذا ما شكّل المشهد الديني في سورية من 1963 وحتى المرسوم التشريعي في 2011.

تطوّر مجمّع الفتح الإسلامي

أسّس الشيخ صالح فرفور، سليل العائلة الدمشقية التي قدّمت العديد من الفقهاء، مجمّع الفتح الإسلامي العام 1956. كان الشيخ صالح قد تتلمذ على يدي العالم المُجدّد الشيخ بدر الدين الحسني، أحد أهم علماء دمشق. وخلال حقبة الأربعينيات، بدأ فرفور نشاطه الخاص، أولاً عبر استضافة حلقات العلم في المسجد الأموي ومساجد أخرى في مدينة دمشق القديمة، على غرار جامع الفتحية في حي القيمرية.

لتمويل نشاطاته، أسس فرفور جمعية الفتح الإسلامي، ما سمح له بتوفير التعليم والأعمال الخيرية لطلاب الشريعة. وقد اشترت الجمعية منزلاً لفرفور وعملت معه على تأسيس المجمّع الذي يحمل اسمها، واستند البرنامج التعليمي على الأعمال الرئيسة في الفكر الإسلامي ودروس اللغة العربية لطلاب المرحليتن الوسطى والثانوية، ويتكوّن من خمس سنوات ينال بعدها الطلاب شهادات مؤسسية. وفي العام 1965 تم افتتاح قسم خاص بالنساء. وفي 1971، أسّس المجمّع قسم التخصص للدراسات ذات المستوى الجامعي، يقدّم برنامجاً لثلاث سنوات من الفصول (أحدها حول أصول الفقه، والثاني عن اللغة العربية وعلومها وآدابها، والثالث لدراسة القرآن والحديث).

في العام 1984، وقبل سنتين من وفاته، سلّم فرفور إدارة المدرسة المتوسطة والعليا- التي تعرف بدائرة صباحي- إلى الشيخ عبد الفتاح البزم، فيما استلم أحد أنجاله، حسام الدين، قسم التخصص الذي حصل على تفويض أكاديمي في العام 1994 من خلال اتفاقية أبرمها البزم وحسام الدين مع جامعة الأزهر المصرية، بشرط أن تطبّق المؤسسة المنهج التعليمي المُقرر في الأزهر، وأن تطور وتوسّع فصول الدراسات في القسم. وقد سمح ذلك لخريجي المؤسسة بالحصول على شهادات الأزهر، لكن تم التخلي عن هذه الاتفاقية مع بدء الألفية الجديدة من دون أي تفسير واضح لذلك. غير أن مجمّع الفتح الإسلامي توسّع بالفعل، ونقل موقعه الأصلي قرب مسجد بلال الحبشي في المدينة القديمة بدمشق إلى مكاتب في مسجد أبي أيوب الأنصاري في منطقة الزاهرة الجديدة.

يواصل مجمّع الفتح الإسلامي تدريس اللغة العربية استناداً إلى النصوص الكلاسيكية للشريعة. وهذا جزء من برنامج التعليم التقليدي المدمج، الذي يقدم لحفنة من الطلاب الذين تتوفّر لديهم متطلبات تخرّج وانتساب عالية. كما يفرض المجمّع درجة عالية من النظام والمحافظة- خاصة على النساء- مايجعله جذاباً للمجتمع الدمشقي الذي يميل إلى المحافظة الاجتماعية، الأمر الذي سمح له بالتنافس مع مؤسسات أخرى، أبرزها مجمّع أبو النور الإسلامي.

التنافس للحصول على الأفضلية لدى النظام

بقي مجمّع أبي النور الإسلامي هذا لحقبة طويلة الهيئة المفضّلة لدى النظام البعثي. وقد برزت عيّنة عن مثل هذا التفضيل في العام 1967، حين استخدمه هذا الأخير لاستبدال الأئمة الذين قدّموا استقالتهم بعد نشر مقال في مجلة سورية يسم الأديان بالرجعية، ويقترح إحالتها إلى رفوف المتاحف. علاوةً على ذلك، عمد المجمّع مراراً إلى القطع مع نظرائه لتحسين مواقعه لدى النظام. لكن، بعد شباط/فبراير 1982، حين تم قتل الآلاف في حماه غداة تمرد فاشل بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، نحى النظام المجمّع جانباً حين كان يسعى لإسباع الشرعية الإسلامية على نفسه، وهذا صبّ في خانة الكاتب والمفكر الإسلامي البارز محمد سعيد رمضان البوطي، الذي لطالما هيمن على المشهد الديني.

كانت الوضعية التفضيلية لمجمّع أبو النور هي الحافز الرئيس لدى مجمّع الفتح الإسلامي لتمييز نفسه في تلك الفترة. في العام 1993، تغيّر الوضع حين عُيِّن الشيخ عبد الفتاح البزم كمفتي لدمشق، في محاولة من النظام لاستتباع المجمّع. لكن، ولأن كفتارو بقي مفتي سورية، احتفظ مجمّع أبو النور باليد العليا. ولذا، واصل مجمّع الفتح الإسلامي السعي لنيل حظوة النظام، إلى أن أصبح بشار الأسد رئيساً في العام 2000.

شكّل وصول بشار الأسد إلى سدّة الحكم صدمة للعديد من أنصار النظام السابقين، بما في ذلك كفتارو، ومسؤولي المجمّع، وحتى البوطي. فالرئيس الجديد همّشهم جميعاً وبدأ حوارات مع عدو سابق هي مؤسسة زيد التي كان النظام لايثق بها منذ الثمانينيات، بسبب التباس ولاءاتها خلال أزمة 1982 مع جماعة الإخوان المسلمين. وقد نفدت المؤسسة بجلدها لأن العديد من الشخصيات القيادية فيها سُمح لها بالبقاء في سورية. كما أن قائدها، أسامة الرفاعي، سُمح له لاحقاً بالعودة من المنفى، وكان الوحيد من بين الشخصيات الدينية الذي يحظى بلقاءات خاصة مع الأسد.

ثمة عوامل عديدة حفزت الأسد على هذه الخطوة. فحال استلامه صولجان السلطة، واجه مجتمعاً متزايد التمسّك بجلباب الدين ويبحث عن ممثلين دينيين يتمتعون بشرعية أكبر من حلفاء النظام القدماء. هذا إضافة إلى أن سورية عانت من اضطرابات إقليمية – بما في ذلك الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وغزو العراق بقيادة الولايات المتحدة، واللااستقرار المطرّد في لبنان. كل هذه العوامل فاقمت من مخاوف الأسد من احتمال خسارته السلطة، ما دفعه إلى فتح أقنية مع شركاء جدد يستطيعون توفير شرعية اجتماعية أكثر فعالية. بيد أن النظام لعب في الوقت نفسه على التناقضات بين الأطراف الدينية، وحدّ من نفوذها، فيما كان يجهد للمحافظة على الروابط مع الموثوقين بينهم، ويعيّن أعضاء في هيئاتهم قي مناصب الإدارة الدينية، بما في ذلك أعضاء في مجمّع الفتح الإسلامي. مع وفاة كفتارو في العام 2004، فقدت جمعيته بعض الزخم الذي كانت تتمتع به، وسارع مجمّع الفتح الإسلامي إلى ملء الفراغ القائم. وقد ترشّح اثنان من رجال دين الجمعية، وهما بسام ضفدع ومحمود دحلا، للانتخابات البرلمانية في العام 2007، لكنهما لم يفوزا. مع ذلك، لعب المجمّع دوراً أكبر في الحكومة. فقد عُيِّن أحمد سامر القباني، أحد مدرّسي المجمّع، مديراً لأوقاف دمشق، فيما عُيِّن خضر شحرور، وهو أيضاً مدرّس، في منصب مدير أوقاف ريف دمشق. أصبح المجمّع، إذاً، في وضع أفضل. فقد كان عبد الفتاح البزم مفتي دمشق، وسيطر مسؤولون في هذه المؤسسة على الأوقاف الدينية في العاصمة والمناطق المحيطة بها. لا بل بدأ المجمّع العمل على مسائل لاهوتية. ففي العام 2006، نظّم المجمّع اجتماعاً بين رجال دين سنّة ومسيحيين في كلية اللاهوت في جامعة هارفارد. وكان هذا الأمر مثيراً للجدل في أوساط العلماء السوريين، الذين لديهم تحفّظات بشأن الحوار بين الأديان. وهذا ما حدا بالبوطي وبشخصيتين بارزتين في كليّة الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق، هما عماد الدين الرشيد وبديع السيد اللحام، إلى الاستقالة من مناصبهم التعليمية في قسم التخصّص، بعد رفضهم تقديم تنازلات حيال المسائل الدينية.

شهدت المؤسسة الإسلامية في سورية اضطرابات كثيرة في العام 2008. فقد كان النظام أكثر ارتياحاً في سياسته الخارجية (وخير دليل على ذلك حضور الأسد احتفالات العيد الوطني الفرنسي في باريس)، ورأى أن المجال مفتوح أمامه لإحكام قبضته على المؤسسة الدينية من دون المخاطرة بفقدان شرعيته. وهكذا، كانت أولى خطوات الأسد تعيين محمد السّيّد، مفتي طرطوس وأحد أنصار النظام البارزين، وزيراً للأوقاف، بعد أن تعهّد هذا الأخير بـ"وضع حدٍّ للفوضى" في المؤسسة الدينية و"الترويج لانخراط العلماء في الدولة".1

في أيلول/سبتمبر 2008، استغلّ السيد التفجير الذي وقع قرب مبنى تابع للمخابرات السورية، وزعم أنه من تنفيذ تنظيم فتح الإسلام الجهادي، للتشديد على أنه ينبغي على الدولة "إحكام قبضتها على المؤسسات ]الدينية[".2 ولأسباب لاتزال مُبهمة، استثنى من ذلك الكليات الجامعية التابعة لكلٍّ من مجمّع أبو النور ومجمّع الفتح الإسلامي. مع ذلك، وُضعت كل المؤسسات الدينية في سورية لاحقاً، بما في ذلك دائرة صباحي في مجمّع الفتح الإسلامي، تحت إشراف وزارة الأوقاف، التي أعدّت أيضاً مناهجها.

تعزيز مجمّع الفتح الإسلامي بعد العام 2011

خلقت انتفاضة العام 2011 صدعاً عميقاً في النسيج السوري، أدّى إلى تداعيات طالت جميع المجالات، بما في ذلك الحيّز الديني، إذ اضطرّ رجال دين رفيعو المستوى إلى اتّخاذ موقف من الأحداث. كانت هذه التداعيات قوية على هؤلاء لأن مناصريهم الشباب، إلى جانب رجال الدين الأقل مكانة من معظم المؤسسات الدينية في البلاد، شاركوا في المظاهرات المناهضة للحكومة. وقد أثار المسار السريع وغير المتوقّع الذي سلكته الانتفاضة بلبلة والتباساً داخل المؤسسة الدينية، مادفع النظام إلى إعادة هيكلتها من خلال فرض ترتيبات منفصلة على كل جهة، بحسب ردة فعلها تجاه الانتفاضة وحاجات النظام. بالفعل، تمثّلت الخطوة الأولى التي اتّخذها النظام لكبح جماح رجال الدين الموثوقين في إصدار المرسوم التشريعي الرقم 48 بعد أقل من شهر على اندلاع المظاهرات، لإعادة تنظيم ومركزة المؤسسات الدينية. وسُرعان ما أتى هذا المرسوم أُكله، إذ جذب مجمّع الفتح الإسلامي إلى الصف الموالي للنظام، وأصدر المجمّع بيانات تُضفي شرعية على الحكومة وتحذّر من مغبّة الوقوع في الفتنة. لكن عملية إعادة التموضع هذه أتت على حساب رجال دين المجمّع الذين انضمّوا إلى الانتفاضة، وعاكست مسار الطلاب الذين عارضوا ميله نحو النظام. وقد منح المجمّع لقوى الأمن إمكانية الوصول إلى كاميرات المراقبة لمعرفة هوية معارضي النظام، ما أدّى إلى صرف جماعي للطلاب ومغادرة العديد من الأساتذة.3 في غضون ذلك، تم تعيين رجال دين رفيعي المستوى من المجمّع في المساجد التي غادرها أعضاء من جمعية زيد التي كانت أعلنت معارضتها للنظام.

أفاد قسم التخصّص داخل مجمّع الفتح الإسلامي من المرسوم التشريعي الذي صادقت عليه وزارة الأوقاف، وبدأ أساتذة القسم يقومون بإطلالات إعلامية على القنوات التلفزيونية الرسمية، مُعزّزين بالتالي مكانتهم. ويُعزى هذا الواقع جزئياً إلى برنامج تحديث الأقسام الذي أنشأ قسماً للتدريب الإعلامي. وقد لعب العديد من طلّاب القسم أدواراً رئيسة في قناة "نور الشام" الدينية الرسمية التي أنشأها الأسد للبوطي. وحدثت تغييرات أخرى أيضاً: إذ سمح المجمّع بالاختلاط بين الجنسين في حرمه، وفي بعض الأقسام الأكاديمية حديثة العهد، بعد أن كان هذا الأمر محظوراً لفترة طويلة. أدّت مبادرات مجمّع الفتح الإسلامي لإبداء الولاء للنظام إلى حصد امتيازات أخرى، إذ بات بإمكانه بثّ حفل تخرّج طلابه على التلفزيون الرسمي سنوياً، بعد الحصول على موافقة وزير الأوقاف. وبلغ المجمّع ذروة ألقه في كانون الثاني/يناير 2017، عندما حوّل مرسوم رئاسي معهد الشام إلى جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية. وقد أدّى ذلك إلى وضع الجامعة، من خلاله قسم التخصص في مجمّع الفتح الإسلامي، على قدم المساواة مع الجامعات السورية البارزة الأخرى، مانحاً إياها اعترافاً رسمياً من وزارة التعليم العالي. كما أكملت جهود النظام لضمّ المؤسسات الدينية السورية تحت رعاية الدولة. كان للتقارب المتنامي بين المجمّع والنظام تداعيات على الأرض. فقد عمدت بعض الشخصيات المعروفة من المجمّع، متكئةً على موقعها الاجتماعي والديني، إلى تحطيم الروح المعنوية للقوات المتمرّدة في المناطق التي يسيطرون عليها بما يصبّ في مصلحة النظام. على سبيل المثال، عانى بسام دفضع، إلى جانب عشرات من أعوانه، من حصار كفربطنا شرقي دمشق، وتعاون خلاله مع فيلق الرحمن، وهو المسيطر في البلدة. ومع انقلاب الوضع لصالح النظام مطلع العام 2018، تولى دفضع قيادة حركة شعبية تدعو قوات النظام إلى دخول كفربطنا. وفي نهاية المطاف، استطاعت هذه الأخيرة دخول البلدة، واتهمت مصادر المعارضة دفضع وحوالى 400 مسلّح من أنصاره بتسهيل دخول القوات الحكومية السورية إلى المنطقة. الجدير ذكره هنا هو أن دفضع لم يكن ليلعب مثل هذا الدور لو لم يكن عالماً ومدرّساً في مجمّع الفتح الإسلامي. تكرّر اعتماد هذا النهج جنوبي العاصمة من قبَل خريجين آخرين من المجمّع هما أنس الطويل ورضوان الكحيل، اللذان قادا حملة مصالحة مع النظام، بطريقة أكثر علنية من دفضع، وذلك عقب التخلي عن النزاع المسلح في نهاية الحصار على مخيم اليرموك للفلسطينيين في 2014. وقد سهّل هذا الأمر تسليم المنطقة إلى قوات النظام في أيار/مايو 2018. لم يكن دور الوساطة الذي اضطلع به أفراد من المجمّع جلياً على الأرض خلال النزاع وحسب، بل ظهر أيضاً على الساحة الدينية. كما منح المجمّع شرعية أكبر لإيران والمسلمين الشيعة في معاهد دينية رسمية سورية، وهو أمر كان يسعى الإيرانيون إلى تحقيقه منذ العام 2005.4 يشار هنا إلى أن ممثلي المجمّع شكّلوا نسبة كبيرة من المشاركين في الوفد السوري الذي قام بزيارة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في طهران خلال آذار/مارس 2018. وأعقب الاجتماع مؤتمر حضره حسام الدين فرفور ومحمد السّيّد (وزير الأوقاف السوري)، ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية كمال خرازي. وخلال المؤتمر، تمّ الإعلان عن تأسيس كلية المذاهب الإسلامية في دمشق.

المستقبل معضلة بالنسبة إلى المؤسسات الدينية

لم يعد مجمّع الفتح الإسلامي مجرد طرف فاعل ديني يكتفي ببساطة بالقيام بخدمات للنظام مقابل الحصول على امتيازات وحسب، بل بات يلعب دوراً أساسياً في المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية في سورية. بيد أنه، في خضم هذه العملية، لم يتخلَ عن استقلاليته الإدارية وحسب، بل ساهم أيضاً في إعادة تفعيل العلاقات بين المحيط الديني والنظام. فقد حفّز ذلك هذه المؤسسات الدينية على التمتّع بدور اجتماعي تحت مظلة النظام، وباتت الآن منسجمةً مع المجتمع أكثر مما كانت عليه وزارة الأوقاف ومفتي سورية في أي وقت مضى. مع ذلك، أثار توثيق العلاقات مع النظام تساؤلات حول مستقبل المؤسسات الدينية وشرعيتها. ومن المشكوك فيه، خاصة بعد نزاع وحشي واستقطابي، أن تكون المؤسسات الدينية قادرة الآن على الاستفادة على الأمد الطويل بشكل ما، عندما يتمّ تصنيفها مع دولة استبعدت شريحة كبيرة من الشعب السوري. لطالما تمثّلت قيمة هذه المؤسسات بالنسبة إلى النظام، من نواحٍ عدّة، في الشرعية الدينية التي توفّرها، ولكن تُعتبر قدرتها على القيام بذلك اليوم أمراً مشكوكاً فيه، الأمر الذي يوّلد معضلة بالنسبة إلى المؤسسات الدينية. الجدير ذكره أن استمرار هذه المؤسسات في احتضان النظام سيؤدي إلى تآكل مصداقيتها بشكل أكبر في أعين العديد من السوريين ويجعلها غير ذات أهمية. أما النظام فيراها بالطبع صفقة مربحة، إذ ساعدته على إعادة إضفاء الشرعية على نفسه في أعين المجتمع، بعد نزاع مثير للانقسام، كما أنها حيّدت أي قوة مستقلة محتملة من شأنها تشويه شرعية الأسد.

هوامش

1 ورد الاقتباس في: Thomas Pierret, Religion and State in Syria (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), 212.

2 ورد الاقتباس في المصدر السابق.

3 مقابلة أجرتها المؤلّفة مع شاهد للاحتجاجات، أيار/مايو 2018، اسطنبول.

4 مقابلة أجرتها المؤلّفة مع محاضر سابق في كلية الشريعة في جامعة دمشق، أيار/مايو 2018، اسطنبول.

Bridging the Gap in the Nile Waters Dispute

 الخميس 21 آذار 2019 - 6:00 ص

    Bridging the Gap in the Nile Waters Dispute https://www.crisisgroup.org/africa/horn-afr… تتمة »

عدد الزيارات: 20,196,470

عدد الزوار: 520,137

المتواجدون الآن: 0