أخبار لبنان..«حرب الإلغاء» الرئاسية من باسيل ضدّ فرنجية..تُرْبك الحلفاء..استمرار الشغور الرئاسي في لبنان يلاحق مؤسسة الجيش والبنك «المركزي».. بيوت اللبنانيين تحولت إلى بنوك صغيرة بسبب انعدام الثقة بمصارفهم..

تاريخ الإضافة الأحد 20 تشرين الثاني 2022 - 4:52 ص    عدد الزيارات 276    التعليقات 0    القسم محلية

        


«الراي» تكشف عن رفع «حزب الله»... لا حاسمة لترشح رئيس «التيار الحر»...

«حرب الإلغاء» الرئاسية من باسيل ضدّ فرنجية... تُرْبك الحلفاء

الراي... | بيروت - من وسام أبوحرفوش وليندا عازار |

- مخاوف أمنية تظلّل الشغور الرئاسي ووزير الداخلية يدعو إلى «الحذر»

- تواصُل فرنسي و سعودي مستمرّ حول الملف اللبناني

طَغَتْ «قَرْقَعَةُ» ما بدا أنها «حرب إلغاءٍ» رئاسية يشنّها رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل ضدّ المرشّح غير المعلَن...لـ «حزب الله» رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، على الأسبوع الثالث من الشغور الرئاسي المحكوم حتى الساعة بمناوراتٍ و«أفخاخ» داخل «المعسكر الواحد» كما بين «شطريْ» الانقسامِ السياسي (الموالاة والمعارضة) اللذين يديران هذا الاستحقاق بخلفياتِ كل الصراع الذي انفجر في لبنان و«به» منذ العام 2005 وحتى اليوم. وجاء التركيزُ «العالي الدقة» على اندفاعةِ باسيل بوجه فرنجية وتشظياتها التي أصابتْ شريكَ «حزب الله» في الثنائية الشيعية رئيس البرلمان نبيه بري، عبر ارتكازِ حيثيات رفْضه وصول زعيم «المردة» إلى قصر بعبدا، على منْع تكرار «ترويكا» التسعينات الرئاسية، ليعكس بُعديْن في «انتفاضة» رئيس التيار الحر:

* الأول تسليمٌ من غالبية الأطراف في الداخل، ولو في «لا وعي» بعضهم، بأن القفلَ والمفتاح في الملف الرئاسي يبقى فريق الموالاة الذي يشكل «حزب الله» رافعتَه الرئيسية، وأن أي تفاهم داخل هذا الفريق على مرشح واحد سيكون كفيلاً بـ «جذْبِ» ما يكفي من أصوات لإكمال نصاب انتخابه، السياسي والعدَدي، في ضوء قدرة الحزب على «قوْلبة» أهدافه «النهائية» وتقديمها تارةً في شكلٍ مباشر وطوراً بما يوصل إليها ولو من «أبواب خلفية».

* والثاني أن اعتمادَ باسيل «الأرض المحروقة» في العلاقة مع فرنجية - المرشح، يؤشر إلى حجم التعقيدات المتشابكة التي تعترض الانتخابات الرئاسية وإلى أن بلوغ تَفاهُمٍ، أولاً داخل كل ائتلاف سياسي ثم «عابِر» للاصطفافاتِ على جبهة الموالاة - المعارضة ما زال دونه مسار شائك من «عض الأصابع» وعدّ جلسات الـ لا انتخاب وربما «الكمائن»، وهو ما يدور على «مسرح عمليات» أوّله محلي وآخِره إقليمي - دولي لم تتبلور تقاطعاتُه بعد.

وإذ كان باسيل أكملَ في تصريحاتٍ من فرنسا (عاد منها الى بيروت) الهجومَ على فرنجية، على قاعدة أنه لا يصلح للرئاسة، ملمِّحاً لإمكان عودته عن قراره بعدم الترشح «إذ لن أقبل أن يكون لديّ رئيس سيئ، وفي هذه الحالة بالطبع سأترشّح»، موجهاً في الوقت نفسه رسالة إلى «حزب الله» مفادها «لا أتفق معه أنّ حماية المقاومة وسلاحها هو الهّم الوحيد الآن، لكنني أتفهم مخاوف الحزب وأتفهم بالمقابل مخاوف الطرف الآخر المناهض له»، لم يكن عابراً كشْفٌ «متعمَّد» لزيارةٍ سرية قام بها رئيس «التيار الحر» لبري قبل توجّهه إلى باريس ساعياً لعقد اتفاقٍ منفرد معه على شخصيةٍ للرئاسة يصار إلى ما يشبه تحويلها «أمراً واقعاً» على «حزب الله». وسط هذه المناخات، علمت «الراي» ان «حزب الله»، الذي أبلغ إلى باسيل أنه سيمضي قدماً في دعم ترشيح فرنجية وتقديم أي تسهيلاتٍ من شأنها تعريض قاعدة التوافق على انتخابه، بَعَثَ إلى رئيس «التيار الحر» ما يكفي من إشاراتٍ لا لبْسَ فيها إلى أن الحزب الحريص على صون التحالف السياسي معه لن يدعم ترشّحه - أي باسيل - في أي حال من الأحوال. وقالت أوساطٌ واسعة الاطلاع لـ «الراي»، إن «حزب الله» الشديد الانزعاج من تَعَمُّدِ باسيل تسريب ما يوحي بأنها مضامين الحوار مع قيادة الحزب، يرى أن اندفاعةَ رئيس «التيار الحر» وهجماته العشوائية مردُّها إلى رغبته غير المكتومة بتهيئة الظروف لترشُّحه إلى الرئاسة، مع ما يفترضه ذلك من إطالة أمد الشغور والعمل على إبعاد مَن هم الأوفر حظاً. ورأت أن محاولةَ باسيل إحراج «حزب الله» لن تُجْدي. ففي محاولته الهروب إلى الأمام، بدا وكأنه يجازف بـ «خطوط الرجعة»، وتالياً فإن لقاءه السري بالرئيس بري - حليف «البيت الواحد» مع «حزب الله» - وتسريباته المتعمَّدة من باريس أفضتْ إلى تَفاهُمٍ بين بري والحزب على «لا» حاسمة لباسيل في ترشُّحه المفترَض للرئاسة. وكشفتْ دوائر لصيقة بملف الإنتخابات الرئاسية أنه غداة تسريباتِ باسيل وتصريحاته من العاصمة الفرنسية قرّر داعمو فرنجية السير بخطواتٍ عدة أهمها:

- الانفتاحُ على إرساء معادلةِ فرنجية رئيساً للجمهورية والقاضي نواف سلام، أو شخصية أخرى مِن الاصطفاف نفسه، رئيساً للحكومة على النحو الذي من شأنه تحقيق تَوافُقٍ لبناني - خارجي على إنجاز الإستحقاق.

- السعي، من خلال دورٍ يضطلع به بري، إلى سبر أغوار الموقف الخليجي من الانتخابات الرئاسية، وهو الموقف الأقرب إلى «إعلان مبادئ»، وكأنه يُراد استدراج العواصم العربية ولا سيما الخليجية للانخراط في لعبة المساومات الداخلية وبازار الأسماء خدمةً لهذا المرشح أو ذاك.

- نصائح ربما بلغت مسامع فرنجية بفتْح قنوات الاتصال بحزب «القوات اللبنانية» لضمان مشاركة تكتله النيابي في أي جلسةِ انتخابٍ يمكن أن يُكتب فيها الحظ لزعيم «تيار المردة»، أقلّه عبر التصويت بورقة بيضاء ما يُسْقِطُ ذريعةَ «المقاطعة المسيحية» لجلسة انتخاب فرنجية.

وأبلغت هذه الدوائر، «الراي»، ان «حزب الله» الذي يدعم ترشُّح فرنجية من الخلف، مُنْفَتِحٌ على التوافق على أي اسم آخَر يمكن أن يحظى بمروحة واسعة من التأييد الداخلي والدعم الخارجي الدولي والعربي، فهو يرغب بتأمين مناخٍ يتيح انخراطاً دولياً - خليجياً في عمليةِ النهوض بلبنان، بعدما خلص إلى الاطمئنان لنفوذه الراسخ، وإلى الاقتناع أن ما من أحد يحمي سلاحَه إلا... سلاحه.

في هذا الوقت، استوقف أوساطاً سياسية، تكثيف باريس تَواصُلها القيادي مع السعودية متابعةً للملف اللبناني، وفي إطار محاولةِ تأمين ظروفٍ مؤاتية لإتمام الاستحقاق الرئاسي بما يضمن أن يشكّل قفزةً في واقع «بلاد الأرز» يسرّع خروجها من الحفرة المالية السحيقة لا أن يكون تمديداً للأزمة ذات «الجذور» السياسية المتصلة بالتموْضع الاستراتيجي لبيروت وأدوار «حزب الله» في الاقليم. وفي هذا الإطار، التقى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في بانكوك، ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، حيث «بحث الجانبان الوضع في لبنان والحرب في أوكرانيا». وبحسب الرئاسة الفرنسية، دعا ماكرون الى «انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان في أقرب وقت»، هو الذي كان توافق مع محمد بن سلمان، خلال اتصال هاتفي قبل أسبوع، على «تعزيز تعاونهما لتلبية الحاجات الإنسانية للبنان». وعلى مشارف دخول الشغور الرئاسي أسبوعه الرابع، تتزايد المخاوفُ الأمنية ولا سيما في ضوء إعلان وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي أنّه «تم اكتشاف 8 خلايا إرهابية، كانت تخطط لعمليات على الأراضي اللبنانية كافة»، مشيراً عبر قناة «الحدث» إلى أنه «يجب أن نكون حذرين من عودة العمليات الإرهابية»، ومؤكداً ان «لا دلالات على اغتيالات وأن أجهزتنا الأمنية لديها الوعي الكافي رغم ظروفنا».

اعتراضاتٌ على تصويت لبنان ضدّ إدانة إيران في الأمم المتحدة

أثار تصويتُ لبنان ضدّ مشروع القرار الذي صادقت عليه اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في شأن حالة حقوق الإنسان في إيران، ردود فعل سياسية معترضة في بيروت. وبعد مصادقة «لجنة الشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية» على القرار، الذي اتهم إيران بموجبه بالتمييز ضد الأقليات، بغالبية 79 صوتاً مقابل 28 ضدّه وامتناع 68 عن التصويت، شكّل التحاق لبنان بدول «الضدّ» عنواناً انقسامياً في بيروت، في ضوء تقارير كانت تحدثت عن تدخلاتٍ إيرانية أوقفت مساراً ديبلوماسياً كان يميل إلى امتناع «بلاد الأرز».

استمرار الشغور الرئاسي في لبنان يلاحق مؤسسة الجيش والبنك «المركزي»...

ملء الفراغ في المجلس العسكري بتأجيل تسريح ثلاثة من أعضائه

الشرق الاوسط... بيروت: محمد شقير... بدأت الأوساط السياسية تتحسّب للتداعيات المترتبة على حسن تسيير المرافق العامة في لبنان إذا تجاوز الشغور في موقع رئاسة الجمهورية الخطوط الحمر واستمر إلى أمد طويل، لما سيكون له من انعكاسات ترفع منسوب انحلال ما تبقّى من الإدارات والمؤسسات على قيد الحياة، وتحديداً تلك المعنية بالشأنين الأمني والمالي، وهذا ما يدفع بحكومة تصريف الأعمال للبحث في حلول مؤقتة لملء الفراغ في ضوء إحالة اقتراح مشروع القانون الذي يحمل صفة المعجّل والمكرّر الذي تقدّم به نواب «اللقاء الديمقراطي» والرامي للتمديد للمديرين العامّين، إلى اللجان النيابية المشتركة لدراسته. وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن إعادة النصاب إلى المجلس العسكري في الجيش اللبناني وُضعت على نار حامية بإحالة رئيس الأركان العامة في الجيش اللواء أمين العرم على التقاعد قريباً، ولاحقاً زميليه مدير الإدارة في المؤسسة العسكرية اللواء مالك شمص، والمفتش العام اللواء ميلاد إسحق، وجميع هؤلاء أعضاء فيه، ويتم بقرار يصدر عن مجلس الوزراء الذي لن ينعقد في ظل وجود حكومة تصريف الأعمال. وكشف مصدر وزاري بأن هناك إمكانية لملء الفراغ في المجلس العسكري الذي يتشكل من 5 أعضاء برتبة لواء، إضافة إلى رئيسه قائد الجيش العماد جوزف عون، ولا ينعقد إلا في حضور خمسة من أعضائه، ويتخذ قراراته بأكثرية أعضائه، وفي حال تساوت الأصوات يبقى صوت العماد عون هو المرجّح. وقال إنه يمكن لوزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال العميد المتقاعد موريس سليم أن يأخذ المبادرة لتفادي الشغور في المجلس العسكري بإصدار قرار يقضي بتأجيل تسريح الضباط الثلاثة من الخدمة العسكرية إلى حين تسمح الظروف بتعيين مجلس الوزراء من يخلفهم، ولفت إلى أن الوزير في هذه الحال يستعين بسوابق في هذا الخصوص نص عليها قانون الدفاع الوطني، كانت آخرها السابقة التي اعتمدها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع آنذاك الراحل فايز غصن بتأجيل تسريح قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي، ومدير المخابرات العميد إدمون فاضل. وقال المصدر الوزاري بأن قرار تأجيل تسريحهم هو بيد الوزير سليم المحسوب على رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، ورأى بأنه لن يتردّد في إصدار قرار بتأجيل تسريحهم؛ حرصاً منه على سير العمل داخل المؤسسة العسكرية في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، ودور الجيش إلى جانب القوى الأمنية في الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار العام، باعتبار أنه يشكل صمام الأمان لمنع تدهور الوضع الأمني على غرار التدهور الذي أصاب الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية بغياب الحد الأدنى من الحلول. وأكد بأن انتظام المؤسسة العسكرية يستدعي تأمين النصاب في المجلس العسكري، خصوصاً أن المجتمع الدولي يُجمع على توفير الدعم لها إلى جانب القوى الأمنية الأخرى؛ كونها تشكل الاحتياط المطلوب لمنع انهيار الدولة ريثما يصار إلى إخراج البلد من أزمته السياسية، بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية لإعادة الانتظام إلى المؤسسات الدستورية، وبالتالي فهناك ضرورة لقطع الطريق على شل المجلس العسكري بسبب تعذّر انعقاده بإحالة ثلاثة من أعضائه إلى التقاعد. ويعود للمجلس العسكري اتخاذ القرار من خلال مديرية الإدارة في الجيش بكل ما يتعلّق بالتلزيمات وبالمصاريف المالية، سواء المتعلقة بتأمين التغذية للعسكريين أو بتوفير الاحتياجات من صحية وطبية ولوجيستية، إضافة إلى دوره في تعيين رئيس المحكمة العسكرية وترقية الضباط من رتبة رائد وما فوق، وتعيين قادة الألوية والوحدات وقيادات المناطق وإصدار التشكيلات العسكرية، وفتح باب التطوّع لتلامذة المدرسة الحربية. لذلك فإن الضرورات تبيح المحظورات، مع أن قانون الدفاع يجيز لوزير الدفاع إصدار قرارات بتأجيل تسريح الضباط، وهذا ما سيحصل حكماً ولن يلقى اعتراضاً من هذا الفريق أو ذاك، طالما أن جميع الأطراف تُجمع على الإشادة بدور العماد عون وقادة الأجهزة الأمنية الأخرى. وبالنسبة إلى استمرار الشغور الرئاسي إلى أمد مديد، فإن حكومة تصريف الأعمال تقف أمام استحقاق تعيين خلف للمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي يحال إلى التقاعد في مارس (آذار) المقبل؛ لبلوغه السن القانونية، ولا يبدو حتى الساعة أن اختيار من يخلفه في متناول اليد؛ لأن التعيين يعود إلى مجلس الوزراء شرط أن يكون كامل الأوصاف، إلا إذا تبنّت اللجان النيابية المشتركة اقتراح القانون المعجّل المقدّم من نواب «اللقاء الديمقراطي»، برئاسة النائب تيمور جنبلاط، وإحالته إلى الهيئة العامة في البرلمان لإقراره في جلسة تأتي في سياق تشريع الضرورة الذي لا يزال موضع خلاف بين الكتل النيابية على إعطاء الأولوية لانتخاب الرئيس، رغم أن للواء إبراهيم دوراً يتجاوز الداخل إلى الخارج لما لديه من شبكة علاقات عربية ودولية. أما بخصوص مصرف لبنان فإن استمرار الشغور إلى ما بعد يوليو (تموز) المقبل، وهو الموعد المحدد لانتهاء ولاية حاكم البنك المركزي رياض سلامة، فإنه لا مجال للتمديد له، وبالتالي سينوب عنه نائبه الأول وسيم منصوري الذي يرأس المجلس المركزي بغياب أي ممثل للموارنة، لأن مدير عام وزارة المال بالوكالة جورج معراوي (ماروني) لا يحق له حضور اجتماعاته؛ لأنه يشغل منصبه بالوكالة بالنيابة عن المدير العام الأصيل، وهو ماروني كان أُحيل للتقاعد، وهذا ما يشكّل سابقة. فهل يصار إلى تجاوز الخلل بإنهاء الشغور الرئاسي قبل تموز المقبل لما للمجلس المركزي من دور في الإدارة المالية للبلد؟ وماذا ستكون ردة الفعل المارونية إذا استمر إلى أمد طويل؟

بيوت اللبنانيين تحولت إلى بنوك صغيرة بسبب انعدام الثقة بمصارفهم

7 مليارات دولار تحويلات من الخارج تنتقل مباشرة إلى المنازل

الشرق الاوسط.. بيروت: ثائر عباس... لم تكن سرقة مبلغ مليون وخمسين ألف دولار أميركي، من أحد المنازل في لبنان، الوحيدة في البلاد التي تشهد واحدة من أسوأ أزماتها المالية والاقتصادية في تاريخها؛ لكنها كانت الأكبر من نوعها في سلسلة من السرقات التي استهدفت منازل اللبنانيين في الآونة الأخيرة. لكن هذه الحادثة ومثيلاتها تكشف النقاب عن تحول بيوت اللبنانيين إلى مصارف صغيرة، بعد أن فقدوا ثقتهم بالقطاع المصرفي الذي احتجز بطريقة أو بأخرى أموال كل اللبنانيين –ما عدا المحظيين منهم– المودعة في القطاع قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019. تقنياً، لم يعد أمام اللبنانيين من خيارات، سوى الاعتماد على أنفسهم في حماية أموالهم، بعد أن تراجعت الثقة بالمصارف إلى حد كبير. ويقول مسؤول مصرفي كبير لـ«الشرق الأوسط»، إن التحويلات القادمة إلى البلاد تناهز 7 مليارات دولار سنوياً؛ لكن كل هذه المبالغ «تتبخر سريعاً من صناديق المصارف؛ لأن أصحابها يعمدون إلى سحبها بالسرعة نفسها التي تصل فيها». ويقدر المسؤولون عن المالية العامة في لبنان وجود نحو 10 مليارات دولار على الأقل في منازل اللبنانيين، وهو رقم يزداد بشكل مستمر، ويوازي –أو يفوق– الأموال الموجودة في احتياطات مصرف لبنان، والتي قدرت أخيراً بمبلغ 10.8 مليار دولار، كما ورد على لسان وزير المال أمام اللجان النيابية الأسبوع الماضي. ويقول المسؤول المصرفي إن نحو ملياري دولار فقط هو ما يبقى كرقم وسطي في المصارف، وهي عبارة عن أموال يحتاجها التجار والصناعيون لتأمين شراء البضائع من الخارج. فمنذ 17 أكتوبر 2019، بدأت المصارف في تقنين الدفعات النقدية للمواطنين الذين تهافتوا على صناديقها، بعد إقفال أبوابها لفترة، مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية، ثم توقفت نهائياً. وتم تحويل كامل حسابات اللبنانيين في المصارف إلى «دولار وهمي» اصطلح على تسميته بـ«اللولار»، أي الدولار اللبناني، وذلك لتمييزه عن الدولارات التي وردت إلى البلاد بعد هذا التاريخ، والتي أعطي أصحابها الحق في سحبها كاملة. وبعد تمنُّع الدولة عن دفع مستحقات الديون التي تكتتب المصارف اللبنانية بالجزء الأكبر منها، تمنَّعت المصارف بدورها عن سداد حسابات زبائنها، ما خلق أزمة كبيرة في البلاد، وكل ذلك من دون أي سند قانوني. وفي غياب قانون «الكابيتال كونترول» تمكن نافذون من تحويل مليارات من الدولارات إلى حسابات خارجية، بينما تحول ما بقي من أموال إلى «لولار» تبلغ قيمته التداولية حالياً نحو 18 سنتاً. وفي المقابل، تمكن أجانب ولبنانيون من حملة الجنسيات الغربية من الحصول على ودائعهم بقوة القانون في بلدانهم، بعد سلسلة من الدعاوى القضائية؛ خصوصاً في الولايات المتحدة التي تعتبر مصارفها المراسلة رئة لا يمكن للمصارف اللبنانية التخلي عنها. ومع تبدل الأحوال، بات اللبنانيون مطالبين بإيجاد بدائل لحفظ أموالهم. وقد لجأ كثيرون للاستثمار في العقارات وفي بدائل أخرى، أما من يمتلك حسابات خارجية، فقد حوَّل ما استطاع إليها. أما الباقون، فلم يعد أمامهم إلا منازلهم؛ خصوصاً أن خزانات المصارف بدورها لم تعد خياراً جيداً. ويروي جورج -وهو تاجر بناء لبناني- أنه وضع أمواله في إحدى خزائن الأمانات في أحد المصارف؛ لكنه ما لبث أن أدرك أن الأمر غير عملي مع تكرار إقفال المصارف التي أضربت لأيام وأسابيع، احتجاجاً على هجمات تعرضت لها صناديقها من قبل المودعين الغاضبين. ويروي مواطنون في إحدى القرى الجبلية في شمال لبنان، أن أحد الأشخاص جهز حفرة تحت الأرض في حديقة منزله، وضع فيها مدخراته، ثم زرع فوقها شجرة للتمويه. أما في المنازل، فقد تم تحويل غرف فيها إلى خزانات ضخمة، توضع في داخلها خزانات أصغر، لتصعيب المهمة على السارقين. ونشطت تجارة الخزانات الحديدية بشكل قياسي منذ بدء الأزمة اللبنانية. ولم تعد تقتصر على الخزائن الضخمة والكبيرة؛ حيث لجأ كثيرون إلى شراء خزانات حديدية صغيرة لا يتخطى وزنها الثمانية كيلوغرامات، ويمكن تثبيتها بحائط داخل خزانة، ما يمنع سرقة محتوياتها. ويقول تاجر خزانات في بيروت، إنه في عام 2020 باع نحو 300 خزانة صغيرة بثلاثة أحجام مختلفة، يتراوح سعرها بين 35 و55 دولاراً، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الرقم «لم أبع بما يشبهه خلال السنوات العشر التي سبقت الأزمة؛ حيث كان الناس يطمئنون إلى إيداع أموالهم في المصارف». وأضاف: «كان الإقبال كبيراً، ولو أنه الآن بات أقل مما كان عليه في عام 2020، وهو مؤشر بالغ الأهمية على أن الناس حولت منازلها إلى خزائن». واللجوء إلى الخزانات الحديدية هو الوسيلة الأكثر أماناً من إيداع الأموال النقدية في المنازل بلا حماية. فقد أُبلغت القوى الأمنية خلال السنوات الثلاث الماضية عن حالات سرقة كثيرة من المنازل، بينما انشغلت مواقع التواصل في عام 2020 بحادثة العثور على رزمة دولارات محترقة ضمن أمتعة امرأة مسنة توفيت في وقت سابق في جنوب لبنان. وكانت المرأة تحتفظ بمبلغ مالي في إحدى وسائدها، ولم تبلغ به أي طرف. ومنذ خسارته 107 آلاف دولار في أحد المصارف اللبنانية التي تحتجز الودائع المالية، قرر علي (38 عاماً) المغترب في أفريقيا، الإحجام عن إيداع أمواله في أي من المصارف، واشترى خزانة صغيرة وضعها في منزله، وباتت عائلته تسحب شهرياً راتبه البالغ نحو 3 آلاف دولار وراتب شقيقه، وتودعهما في المنزل. وتعد هذه الطريقة آخر تحولات التعامل اللبناني مع الأموال. كما لجأ مغتربون إلى مصارف خارجية في قبرص أو تركيا أو دبي لإيداع أموالهم، بينما ذهب آخرون إلى شراء العقارات «كونها استثماراً أكثر أماناً»، أو السيارات «منعاً للتحسر في حال ذهبت أموالنا»، بينما اختار آخرون المنازل لإيداع الأموال بعد تراجع الثقة بالمصارف. لكن خطورة وجود المال في المنزل، دفع الشقيقين علي وفراس لاستثمار ما يفيض عنهما في العقارات. يقول: «منذ 3 سنوات، تمكنت وشقيقي من شراء عقارين صغيرين في القرية. هذا الاستثمار هو الأربح والأضمن والأكثر موثوقية»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن ثقته بالمصارف «تلاشت، ولم تعد تتمتع بموثوقية عالية، حتى لو تغيرت الأحوال». وأضاف: «لو كنت أستثمر في العقارات، لما خسرت جنى عمري الذي كنت أودعه على مدى 12 عاماً في المصرف، وفي النهاية ذهب مع الريح». منذ بدء الأزمة، تبدل نمط حياة اللبنانيين لجهة الاحتفاظ بالأموال، أو إنفاقها. تقول زينة (34 عاماً) التي تعمل في إحدى الدول العربية منذ عام 2016، إنها استطاعت أن تشتري سيارتين في بداية الأزمة بالوديعة المالية التي كانت تمتلكها في المصرف، عبر شيك مصرفي. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «عملت بنصيحة عمي، وكانت خطوة صحيحة». وأضافت: «على الأقل ربحت سيارتين بدلاً من انتظار الحكومة لتتخذ أي إجراء سيعود عليَّ بخسائر إضافية». أما ابنة عمها التي كانت تمتلك نحو 25 ألف دولار في المصرف، فلجأت إلى تسييل وديعتها عبر سحبها على شكل شيك مصرفي، ومبادلتها بالعملة الورقية بخسارة ناهزت الـ20 في المائة في أوائل الأزمة، علماً بأن أسعار الشيكات المصرفية الآن باتت أقل بنسبة 82 في المائة من قيمتها الفعلية، بالنظر إلى أن معظم المصارف ترفض إيداع الشيكات المصرفية بالعملة الصعبة في حسابات الأفراد، وتحصرها بالشركات، وتفرض إخراجها بشيك أو تحويل في حال تم قبولها «بهدف التخفيف من الدولارات القديمة المعروفة بـ(اللولار) من الحسابات المصرفية»، حسبما تقول مديرة إحدى الفروع المصرفية. ويرفض رئيس جمعية المصارف في لبنان، الدكتور سليم صفير، تحميل المصارف مسؤولية الأزمة الحالية. ويقول صفير الذي تعرض منزله ومكاتبه أكثر من مرة لهجمات مودعين غاضبين، إن إعادة بناء الثقة ‏تشكل المعبر الإلزامي لإنقاذ لبنان، وينبغي أن تكون العنوان الأبرز لأي خطة ‏معالجة شاملة تكفل انتشال الاقتصاد من أزمته العاتية، ومعالجة الفجوات المالية ‏والنقدية، وطمأنة أصحاب المدخرات والرساميل لسلامة توظيفها في المؤسسات المالية والمصرفية، عبر وضع آليات موثوقة تكفل إعادة الانتظام التام إلى القطاع المالي، وبما يشمل العمليات الائتمانية والاستثمارية المعهودة لصالح الأفراد والشركات داخل البلاد وخارجها. ويرى صفير أنه ما دامت نواة الأزمة تكمن في المالية ‏العامة، فإنه ينبغي توجيه الاهتمام وصوغ الاقتراحات الملائمة لمعالجة أصل ‏المشكلة، ومن ثم التعامل مع ما أنتجته من فجوات وتداعيات على الاقتصاد ‏وقطاعاته المنتجة.



السابق

أخبار وتقارير..الحرب الروسية على اوكرانيا..أوكرانيا: نصف البنى التحتية للطاقة تضرّر بالقصف الروسي..أوروبا تواصل تجميد الأصول الروسية وموسكو تحذّر من «أكبر سرقة في التاريخ»..أضرار البنى التحتية في أوكرانيا تجاوزت 100 مليار دولار..بولندا ترفض تواجد لافروف باجتماع «منظمة الأمن في أوروبا»..أوكرانيا في مفترق طرق: هل يتراجع الغرب بعد خيرسون؟..روسيا تحصّن جبهات القتال..و10 ملايين أوكراني من دون كهرباء..حاملات طائرات أميركية وأوروبية تقوم بعمليات بحرية مشتركة..إردوغان يحث بوتين على إحياء المحادثات ومنع إطالة أمد الحرب في أوكرانيا..«أوكرانيا» تحيي الاهتمام الأوروبي بالعلاقات مع أميركا اللاتينية..الصين واليابان تتوصلان إلى توافق حول إضفاء الاستقرار..موسكو تأمل في تبادل للسجناء مع الولايات المتحدة..زعيم كوريا الشمالية: سنستخدم «النووي» للرد على التهديدات..واشنطن وحلفاؤها يتعهّدون الضغط على كوريا الشمالية..ما مصير الديمقراطيين في غياب «مطرقة» بيلوسي؟..تقرير أميركي رسمي: حكومة أشرف غني مسؤولة عن الانهيار..«إف. بي. آي» يحقق في «مركز شرطة» صيني بنيويورك..

التالي

أخبار سوريا..قصف إسرائيلي على «مجموعات موالية لإيران» في سوريا..أنقرة توقف «خلية داعشية» في حلب و«انتحاريين» من «الوحدات» الكردية..12 قتيلا من «قسد» وقوات النظام في غارات تركية شمالي سورية..

مخاطر الاستراتيجية السعودية المرتكزة على الأمن في اليمن..

 الأحد 5 شباط 2023 - 6:48 ص

مخاطر الاستراتيجية السعودية المرتكزة على الأمن في اليمن.. أحمد ناجي ملخّص: يعتمد أمن المملكة ا… تتمة »

عدد الزيارات: 116,749,249

عدد الزوار: 4,370,632

المتواجدون الآن: 87