تقرير

ليبيا: ضمان انتقال سلمي وهادئ نحو حقبة ما بعد القذافي

تاريخ الإضافة الأحد 28 آب 2011 - 4:26 ص    عدد الزيارات 1785    التعليقات 0    القسم دولية

        


ليبيا: ضمان انتقال سلمي وهادئ نحو حقبة ما بعد القذافي

بروكسل  |   23 اغسطس 2011

مع استعداد الليبيين للنهاية الوشيكة لنظام القذافي، تواجه البلاد لحظة مفصلية ذات أبعاد تاريخية.  إن الخطوات التي ستُتّخذ خلال الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في صياغة نظام ما بعد القذافي.  تواجه القيادة الليبية الناشئة إرثاً صعباً ومزدوجاً سيكون عليها تخطيه يتمثل في أربعة عقود من الحكم الفردي الذي فشل في بناء مؤسسات دولة حقيقية وستة أشهر من الحرب الأهلية التي أسهمت، إضافة إلى الخسائر البشرية والمادية التي لا مفر منها، في كشف انقسامات وصراعات قديمة وتأجيج انقسامات جديدة أيضاً.  ثمة ثلاثة تحديات تواجهها هذه القيادة، وكذلك اللاعبين الدوليين الذين مكّنوها من الوصول إلى طرابلس تتمثل في تأسيس هيئة حاكمة انتقالية تمثيلية وشاملة؛ والتصدي للمخاطر الأمنية المباشرة؛ وتحقيق التوازن اللازم بين السعي لتحقيق المساءلة والعدالة، من جهة، وضرورة تجنّب العمليات الانتقامية العشوائية وتصفية الحسابات من جهة أخرى.

 مع تدفّق الثوار إلى طرابلس، فإنهم سيشهدون انهيار الدولة الزائفة المسماة الجماهيرية، وهي عبارة عن بدعة واهنة ابتكرها معمر القذافي.  وبصرف النظر عن مدى أصالتها وصدقها في بداياتها الثورية، فإنها أصبحت لاحقاً أداةً لتحقيق طموحاته الشخصية والسياسية.  هذا التحدي المزدوج المتمثل في استبدال نظام حكم فردي وإعادة بناء دولة جديدة من الصفر سيمثّل مهمة شاقة للقيادة الجديدة.

 ما يزيد في تعقيد هذه المهمة هو الصعوبات التي لا مفر منها لدى تأسيس الشرعية الوطنية لقادة ليبيا الجدد.  المجلس الوطني الانتقالي، الذي أُسس في بنغازي التي سيطر عليها الثوار في آذار 2011، يمكن أن يكون له الحق بالإدعاء بأنه يمثل الليبيين في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام، وقد قام بعمل هام في بناء المؤسسات الأساسية لإدارة الحياة المدنية في تلك المناطق وفي حشد الدعم الدولي.  إلاّ أن المجلس الوطني الانتقالي لا يسعه الادّعاء بأنه يمثل جميع الليبيين، حتى لو كان يعكس تطلعاتهم بشكل عام، وذلك لسبب بسيط هو أن معظم الليبيين، خصوصاً في العاصمة طرابلس لم يكونوا في وضع يمكّنهم من التعبير عن آرائهم بحرية أو المشاركة بحرية في المجلس الوطني الانتقالي، الذي يأتي معظم أعضائه، بحكم الأمر الواقع، من المناطق المحررة.  سيترتب على المجلس الوطني الانتقالي الآن أن يعكس في عضويته ليبيا بالكامل بكل تنوعها، وأن يدمج عملياته الإدارية مع تلك المتبقية من مؤسسات القطاع العام التي لازالت تعمل.

 في حين أن الثورة نجحت في النهاية، فإنها أوجدت وعرّت وفاقمت الانقسامات – سواء في ليبيا بشكل عام، على أُسس مناطقية، أو عرقية أو قبلية، أو داخل قيادة الثوار أنفسهم، كما أوضح اغتيال عبد الفتاح يونس، أحد قادة الثوار، فيما يبدو على يد ثوار آخرين.  إن الصراع بين شرعيات متنافسة – بين القوات الموجودة في الشرق وتلك الموجودة في الغرب، بين أولئك الذين أطلقوا الطلقات الأولى، وأولئك الذين كانوا أول من دخل طرابلس، وأولئك الذين ظلوا في ليبيا طوال حقبة القذافي (وفي بعض الأحيان عملوا لصالح النظام السابق)، وأولئك الذين عادوا من الشتات – هو أمر محتم.  كما سيكون هناك توترات بين القوى العلمانية والإسلامية.  لا يُقصد من هذا العرض التلميح إلى أنه سيكون من المستحيل تشكيل حكومة موحّدة، أو قوة عسكرية واحدة تحت قيادة مدنية، بل يعني فقط أن عملاً شاقاً ينبغي القيام به وبسرعة كبيرة لتقليص المخاطر الحقيقية التي تهدد بانزلاق البلاد إلى الفوضى.

 وفي هذا السياق، على حكام ليبيا أن يوجهوا اهتمامهم على نحو عاجل إلى المجالات التالية:

 الشرعية السياسية: على قادة ليبيا الجدد، بقيادة المجلس الوطني الانتقالي، أن يعقدوا في أقرب فرصة ممكنة الاجتماع الأول للمجلس في طرابلس، وأن يدعوا ممثلين من جميع أنحاء البلاد وجميع شرائح المجتمع والمعارضة – مجموعات الثوار المختلفة، إضافة إلى مجموعات المقاومة السرّية المحلية في طرابلس وغيرها – للمشاركة في هذا الاجتماع.  على المجلس الوطني الانتقالي أن يسعى جاهداً ليضم الجميع، وأن يحتضن العناصر المؤهّلة في النظام السابق الذين لم يرتكبوا مباشرة انتهاكات لحقوق الإنسان، خشية أن يؤدي إقصاءهم إلى نشوء ظروف تفضي إلى تمرد آخر في المستقبل من النوع الذي أُبتلي به العراق في مرحلة ما بعد عام 2003.  على المجلس الوطني الانتقالي أن يسعى كي يكون شفّافاً في إجراءاته وأن يوصل قراراته، بالتعاون مع الزعماء المحليين ومجموعات الثوار، بوضوح وأن يشرح دوافعه في اتخاذ كل خطوة في وضع يُتوقع فيه من الناس أن يظهروا عدم ثقة بالسلطة.  المهم على نحو خاص بالنسبة لليبيين هو تحقيق الشفافية في إبرام العقود وتقديم الخدمات.  ينبغي أن يستمر المجلس الموسّع بالتصريح بوضوح بأنه هيئة مؤقتة حصراً ومكلفة بإدارة الشؤون اليومية للبلاد.  وينبغي أن يركز بشكل خاص على توفير النظام وحكم القانون وتقديم الخدمات الأساسية بشكل جيد إلى أن يصبح بالإمكان إجراء انتخابات.

 الأمن، والقانون والنظام: ستشكّل الطريقة التي يتعامل بها القادة الجدد مع موضوع القانون والنظام عنصراً جوهرياً في تحديد التصوّرات الشعبية لمؤهلات هؤلاء القادة في إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية.  في الأيام الأولى الحاسمة، ينبغي على مجموعات الثوار السابقة أن تملأ الفراغ الأمني الذي تركه استسلام أو اختفاء قوات الأمن التابعة للنظام السابق.  عليهم أن يوقفوا توزيع الأسلحة على السكان وبدلاً من ذلك الشروع في جمعها ووضعها في أمكنة آمنة.  وعليهم أن يدمجوا العناصر الجيدة من قوات أمن النظام السابق في البنية الجديدة التي يقودها أشخاصٌ يعيّنهم ويشرف على أدائهم  مجلس الحكم المؤقت.  ينبغي على حركات التمرد الموجودة في الأحياء والتجمعات وكذلك قادتهم المختلفين أن تتخذ خطوات لحماية جميع الليبيين وضمان سلامتهم ورفاههم، مع إيلاء المُهجّرين داخلياً، من الليبيين وغير الليبيين، عناية خاصة.  كما ينبغي الاهتمام بشكل خاص بحماية مواطني الدول الواقعة جنوب الصحراء والذين وقعوا في شرك الصراع، سواء كضحايا، أو مرتزقة أو مهاجرين جرى ترحيلهم.  كما أن ثمة مخاطرة في أن يصبح الليبيون الذين تعود أصولهم إلى الصحراء أو جنوب الصحراء ضحايا لأعمال انتقامية.  وفي هذا الصدد، ينبغي بذل كل جهد ممكن لحماية مجموعات مثل المشاشية، والطوارقة، وغيرهم من الليبيين الأصليين من وسط وجنوب البلاد. 

 العدالة والمصالحة في الفترة الانتقالية: لقد تمثّل أحد ملامح الفشل في المرحلة الانتقالية التي تلت حقبة الاستبداد في فشل القادة الجدد في وضع آلية لمحاسبة أولئك الذين ارتكبوا جرائم كبرى، والسماح لآخرين بتنظيف سجلاتهم أو الحصول على عفو شريطة الإفصاح بشكل كامل عن مشاركتهم في النظام.  بدلاً من ذلك،  فإن اجتثاث البعث أصبح أداة سياسية للإقصاء والانتقام.  وهذا يفسر عدم تمكّن العراق حتى الآن من طي صفحة الماضي، كما يفسر استمرار احتمال قيام حالات تمرد جديدة.

 ينبغي ألا يُسمح بانزلاق الليبيين في هذا المسار المدمّر من تصفية الحسابات والملاحقات.  ينبغي أن تتمثل إحدى المهام الفورية لمجلس الحكم المؤقت في حثّ المقاتلين الذين يخضعون لقيادته والسكان بشكل عام على التخلي عن أي عمليات انتقامية ضد عناصر النظام السابق، بما في ذلك أفراد عائلة القذافي، الذين ينبغي أن يعاملوا وفقاً لمبادئ القانون الدولي.  وأولئك الذين يشبه بارتكابهم جرائم، ينبغي اعتقالهم وتقديمهم للعدالة أمام مؤسسات قضائية مؤهلة.  كما ينبغي على المجلس تأسيس هيئة خاصة تتكون من شخصيات ليبية مستقلة ذات مؤهلات وسمعة لا تشوبها شائبة وتكلّف بمعالجة موضوع الأشخاص المتهمين بجرائم بهدف إدماج معظمهم في المجتمع وفي نفس الوقت تسليم الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، بما في ذلك الدائرة الداخلية للقذافي، للمحاكم (وأولئك الذين أدانتهم محكمة الجنايات الدولية، تسليمهم إلى المحكمة في لاهاي).

جميع هذه الأولويات – سواء تمثلت في تشكيل مجلس مؤقت يتمتع بتمثيل حقيقي؛ أو ضمان فرض القانون والنظام والقيام بحملة فعّالة لجمع الأسلحة؛ أو وضع آليات شفافة لتطبيق العدالة – ستتطلب القيام على نحو مستمر ومتسق بإيصال رسائل واضحة من قبل القيادة الناشئة.  في الأوضاع المتغيرة والمتقلبة كالأوضاع السائدة حالياً في ليبيا، هناك مخاطر حقيقية بوجود معلومات خاطئة وما يمكن أن ينجم عنها من هلع.  ينبغي التأكيد ومنذ البداية على آليات التواصل الفعّالة.  وفي هذا الصدد، ينبغي الترحيب بقيام قيادة المجلس الوطني الانتقالي بإطلاق بيانات أولية تناشد الليبيين ضبط النفس، واحترام حكم القانون، وتجنّب اللجوء إلى القصاص في الشوارع وتطبيق الإجراءات القانونية اللازمة على الشخصيات التابعة لنظام القذافي ووضع هذه البيانات موضع التنفيذ.

 وينبغي على أعضاء المجتمع الدولي أن يرفقوا حملتهم العسكرية بمجهود سياسي، ودبلوماسي وتنموي موازٍ للحملة العسكرية من أجل إعادة البناء.  وفي هذا السياق، ينبغي أن تُعطى الأمم المتحدة دوراً محورياً في العملية الانتقالية.  إلاّ أن على اللاعبين الدوليين، وفي إطار تقديم المساعدة لليبيا، أن يتجنبوا النزعة المعتادة في فرض الشروط على المساعدات الدولية، بدلاً من العمل بشكل مشترك ومن خلال الأمم المتحدة لتقديم المساعدات التي يطلبها مجلس الحكم المؤقت ومن ثم الهيئات المنتخبة التي ستأتي بعده.  في المدى القصير، ثمة مخاطرة بنشوء أزمة إنسانية؛ ولذلك، وإضافة إلى رفع العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ينبغي بذل جهود دولية كبيرة لتقديم الأغذية والمأوى للمحتاجين.

 مع اقتراب الصراع الدائر لوضع حدٍ لحكم القذافي من نهايته، فإن الجهود لبناء ليبيا جديدة ذات حكومة تمثيلية، تستجيب للتطلعات الأساسية لشعبها وتتجنب تسوية الحسابات القديمة تبدأ الآن.  وسط حالة الابتهاج السائدة اليوم والتي يمكن تفهّمها، لا ينبغي التقليل من شأن التحديات الكبيرة التي سيحملها الغد.


المصدر: مجموعة الأزمات الدولية

....Considering Political Engagement with Al-Shabaab in Somalia....

 الجمعة 24 حزيران 2022 - 9:17 م

....Considering Political Engagement with Al-Shabaab in Somalia.... The war with Al-Shabaab’s Isl… تتمة »

عدد الزيارات: 95,651,524

عدد الزوار: 3,553,094

المتواجدون الآن: 81