عن تشويه نخب الحكم العربية للمواطنين المحتجين..

تاريخ الإضافة الأربعاء 6 تشرين الثاني 2019 - 5:43 ص    التعليقات 0

        

عن تشويه نخب الحكم العربية للمواطنين المحتجين..

عمرو حمزاوي..

عمرو حمزاوي.. تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية...

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي...

مركز كارنيغي....مقال تحليلي..ملخّص: السعي الدؤوب إلى نزع المصداقية السياسية وشرعية الفعل الوطني عن معارضي السلطة يمثل طابعاً رئيساً من طبائع المستبدين، شأنه في ذلك شأن التشويه الأخلاقي الممنهج للمحتجين عبر اتهامهم بـ«الفجر والفسوق والانحلال».

في إلصاقها لمصطلحات مثل أهل الشر ودعاة الفوضى والتخريب والعملاء بالمواطنين المحتجين على الفقر والفساد والاستبداد والمطالبين من الساحات العامة بالتغيير السلمي، لا تأتي نخب الحكم في بلاد العرب فعلا لم تسبقها إليه غيرها من النخب السلطوية والطائفية.

فالسعي الدؤوب إلى نزع المصداقية السياسية وشرعية الفعل الوطني (أي العمل على تحقيق مصالح الوطن ومواطنيه) عن معارضيها يمثل طبعا رئيسا من طبائع المستبدين، شأنه في ذلك شأن التشويه الأخلاقي الممنهج للمحتجين بإطلاق اتهامات «الفجر والفسوق والانحلال» باتجاههم (الزعم المتكرر بشيوع العلاقات الجنسية والمثلية الجنسية في ساحات الاحتجاج والاعتصام من مصر في 2011 إلى لبنان والعراق في 2019). ولا ينفصل لا نزع المصداقية السياسية وشرعية الفعل الوطني عن المواطنين المحتجين ولا تشويههم الأخلاقي عما تحاوله الحكومات السلطوية والقوى الطائفية مستندة إلى أجهزتها القمعية لجهة القضاء العنيف على الاحتجاجات، وإخافة الناس من مواصلة الخروج إلى الساحات العامة، والاغتيال المعنوي للمحتجين بإجبار بعضهم إن تحت تهديد السلاح أو بعد وصلات تعذيب إجرامية على الاعتذار العلني (أمام الكاميرات) من النخب الفاسدة والمستبدة وعلى الانسحاب من المطالبة بتغييرها.

لم يغب، إذا، لا الترويج لمصطلحات أهل الشر ودعاة الفوضى والعملاء ولا التشويه الأخلاقي للمعارضين عن أفعال المستبدين بعيدا عن بلاد العرب. كان اليهود الألمان والأوروبيون هم أهل الشر الذين وصمتهم النازية بالتدني، وألحقت بهم طيفا واسعا من التوصيفات العنصرية من «الرائحة الكريهة» مرورا «بشهوة المال وسلوكيات المرابين» إلى «الخيانة والتآمر» ونشر «الانحطاط الأخلاقي» والفساد. حملت النازية اليهود الأشرار مسؤولية إخفاق «الجنس الآري» في الاضطلاع بحقه الطبيعي في قيادة العالم، وعزت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) إلى «مؤامرة عالمية» لليهود استهدفت تدمير «الحضارة الألمانية» ومعها هدم الدولة والمجتمع، وربطت «الخلاص» من المؤامرة العالمية بالنصر النهائي على اليهود الذي عرف كإبادة شاملة.

ولأن النازية جاءت كنتاج للنزعات العنصرية والأفكار المعادية للسامية التي مثلت في بدايات القرن العشرين مكونا أساسيا للثقافة السائدة في ألمانيا، لم يكن مفاجئا أن يلصق باليهود الأشرار كل المكروه شعبيا من خصائص فسيولوجية متوهمة بجانب كل المرفوض شعبيا من صفات وسلوكيات متوهمة أيضا. في عالم النازية، للذكر اليهودي جسد يجمع بين البدانة وقصر القامة، ووجه له أنف مقوس وعينان جاحظتان، وجميع ذلك على النقيض من «الرجال الآريين» أصحاب الأجساد الفارعة والأنف الصغير والأعين الزرقاء والفحولة الذكورية (تماثيل آلهة اليونان والمحاربين الأبطال في الامبراطورية الرومانية كانت المصدر الذي استوحى منه النازيون التوصيف الحسي للسمو الفسيولوجي للرجال الآريين).

أما الأنثى اليهودية، ولأن المرأة في الأفكار العنصرية والمعادية للسامية هي «منبع الشر والخطر»، فخصائصها الفسيولوجية تجمع بين ما صنفته النازية قبيحا (كالقوام القصير والأعين السوداء) وما اعتبرته غواية (كالشعر أحمر اللون في استدعاء للصور النمطية عن الساحرات اللاتي حرقتهن الكنائس في العصور الوسطى).

وفيما بعد، استنسخ نهج النازية العديد من نظم الحكم الفاشية والمستبدة والسلطوية التي بحثت عن أهل الشر ودعاة الفوضى الذين يتهمون دوما بالخيانة والتآمر وتعطيل المسيرة ويحملون بمسؤولية الهزائم والإخفاقات عوضا عن مساءلة ومحاسبة الحكام على فسادهم. وعادة ما وجدت هذه النظم ضالتها إما في معارضي الداخل أو في القوى الإقليمية والدولية المناوئة. وفي السياقين الداخلي والخارجي، تجاوز تعريف ووصم أهل الشر ودعاة الفوضى الصفات والسلوكيات المرفوضة شعبيا إلى الخصائص الفسيولوجية المكروهة شعبيا. هكذا وصمت الأحزاب الشيوعية الحاكمة في الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية (حتى الانهيار في نهاية ثمانينيات القرن العشرين) الكتاب والمفكرين والمبدعين المتمسكين بحرية التعبير عن الرأي «كأعداء الشعوب»، وكمنشقين يتآمرون مع الرأسمالية العالمية (الشر الأعظم) لإسقاط التجارب الشيوعية، وألصقت بالمنشقين الأشرار في الأعمال الفنية خصائص فسيولوجية مذمومة كالبدانة والشراهة وصنوف الإدمان (الجنسي في مقدمتها) لتبيان التناقض بينهم وبين «الإنسان الشيوعي» (الإنسان السوفييتي) الرياضي والمتحكم في رغباته والواعي صحيا لشخصه ولدوره في المجتمع (المعرف كعجلة الإنتاج). وعلى الدرب ذاته سارت الفاشيات العسكرية – الأمنية ونظم الاستبداد والسلطوية في أمريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا، ولم تحد عن نهج تعيين ووصم أهل الشر ودعاة الفوضى والعملاء بلاد العرب وبقية الشرق الأوسط. وعبرت إيران ما بعد الثورة الإسلامية (1979) عن التوظيف الأشمل للمصطلح الذي طال الولايات المتحدة الأمريكية كالشيطان الأكبر، ومعارضي الداخل والمطالبين بالديمقراطية والمدافعين عن حقوق الإنسان كأعوان الشيطان الأكبر، وإسرائيل والسعودية كشيطانين يستدعيان أو لا يستدعيان وفقا لظروف السياسة وعلاقات القوة. وفي البروباغاندا الرسمية للجمهورية الإسلامية، ألحقت بالمسؤولين والسياسيين الأمريكيين الكثير من صفات وسلوكيات أهل الشر اليهود في عالم النازية، بل وبعض الخصائص الفسيولوجية المتوهمة. وإذا كانت نخب الحكم في بلاد العرب تواصل منذ بدأت الانتفاضات الديمقراطية في 2011 استخدام المصطلحات ذاتها، وتتورط في التشويه الأخلاقي للمعارضين باستدعاء خليط من الصور والمقولات الذكورية المتهافتة (النساء المحتجات كغاويات وخارجات على حظائر العفة والشرف والرجال المحتجون كمخنثين ومثليين جنسيا في مقابل فحولة رجال الحكم وملوك الطوائف)، وتسعى لإخافة الناس من مواصلة الاحتجاج وتريد منهم الاعتذار عن طلب التغيير؛ فهي هنا لا تعبر سوى عن طبع ثابت من طبائع نظم الاستبداد والحكومات السلطوية.

Open Letter to the Friends of Sudan

 الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 - 7:13 ص

Open Letter to the Friends of Sudan https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan/open-let… تتمة »

عدد الزيارات: 31,842,403

عدد الزوار: 780,656

المتواجدون الآن: 0