انتخابات العراق.. لماذا التهافت؟...

تاريخ الإضافة الأربعاء 13 تشرين الأول 2021 - 8:38 م    التعليقات 0

        

انتخابات العراق.. لماذا التهافت؟...

الجزيرة .. ياسر عبدالعزيز...

تقول العرب في الإنسان إذا مرض: آخر العلاج الكي، وتقول الشعوب في الوطن إذا مرض: آخر العلاج الثورة

منذ أن أعلن الكاظمي عن موعد الانتخابات المبكرة في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، والتي تحدد لها السادس من يونيو/حزيران من العام الجاري، قبل أن تؤجل أكثر من مرة لتعقد في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، والأحزاب والسياسيون ومن مشى في دربهم على طريق العملية السياسية الذي مهده الاحتلال، يتهافتون على جذب الناخبين بكل الطرق والوسائل، مشروعة كانت أو غير ذلك، مستخدمين في ذلك كل الوسائل من ترغيب بالمال والوعد بالوظائف وتقديم الخدمات الجهوية أو العشائرية وبالدين عبر الفتاوى وخطب الجمعة والتكبير في المساجد، وبالترهيب عبر التهديد بالحرمان من الخدمات والمنع من التوظيف وصولا للتهديد بالتضييق وبالاعتقال والتعذيب أو الإخفاء القسري، وهو ما حدث بالفعل قبل وأثناء الانتخابات، فكان جليا اعتقال الناشطين والصحفيين. وتزايدت عمليات اغتيال الناشطين وتكميم أفواه الثوار والصحفيين وإغلاق القنوات التلفزيونية كما حدث، وكأنه تمهيد نيراني لفتح ثغرات تمرر منها الانتخابات من دون إزعاج ولا معترضين على العملية السياسية واستحقاقاتها.

مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي أعلن عن مقاطعته الانتخابات، عاد وأعلن عودته للاستحقاق، لتتصدر قائمته النتائج حتى كتابة هذه السطور، وهو ما لفت الانتباه: لماذا انسحب؟ ولماذا عاد؟ والسؤال الأوسع: لماذا هذا التهافت من شركاء العملية السياسية وفي القلب منهم المليشيات المسلحة التي دخلت الانتخابات في الدورة السابقة، واحتلت مقاعد لا بأس بها، وترغب في زيادة حصتها في البرلمان الذي سيعلن عن تشكيلته خلال ساعات؟

بالنسبة للمرشحين، فإن الراتب في البرلمان يوازي راتب 20 موظفا بل أكثر، و"يزيد" عليه مخصصات المنصب ومخصصات السكن ومخصصات الشهادة الدراسية التي حصل عليها، ليصل ما يتقاضاه النائب في البرلمان العراقي إلى حوالي 13 مليون دينار عراقي، لكن كل هذا لا يقارن بالتربح من المنصب الذي وقع فيه أغلب من دخل البرلمان منذ تشكيل أول برلمان بعد الاحتلال وحتى الآن.

لكن بالنسبة للكتل والأحزاب وقياداتها، حتى تلك التي لم ترشح نفسها لكنها تتزعم حزبا أو تيارا يمثل في البرلمان، فإن العراق القادم الذي ينتظر تشكيله يجب أن يكون للتيار أو الحزب نصيب معتبر فيه، فالمنطقة تتشكل، والعراق جزء مهم فيها، لذا فيجب على كل حزب أن ينفق ما استطاع ويدفع بكل قوته ليكون رقما مهما في العراق القادم.

العالم والانتخابات في العراق

العالم متمثلا في إعلامه ومراقبيه يختلف تماما عن نفس العالم الذي ينظر من منظور الدولة والسياسة. فالعالم الذي ينظر لانتخابات العراق كتب في صفحاته معلقا نماذج كاشفة عن فهم حقيقي لما يحدث في العراق، وما تمثله تلك الانتخابات. فعلى سبيل المثال، كتبت صحيفة لو أورينت الفرنسية: الانتخابات ستُعيد إنتاج نفس النظام الفاسد مع تغير الأسماء والوجوه، بينما كتبت صحيفة ذا إيكونوميك تايمز إن المليشيات الموالية لإيران تتحكم بمجلس النواب في العراق، أما إيكونوميست فكتبت إن الانتخابات في العراق ستعزز نفوذ المليشيات وسطوتها. هذه العينة من عناوين الصحف والمواقع الغربية المعتبرة، تظهر مدى إدراك العالم لما يحدث في العراق. لكن الأمر لا يدار من الصحيفة أو الموقع، ولو كان انتشاره أكبر من انتشار المسيحية في أوروبا، فالأمور تدار من غرف صنع القرار سياسيا وأمنيا واستخباريا، مؤثرا فيها العامل الاقتصادي والاستثمارات المحتملة والفرص الممكنة.

في مقال "الشرق الأوسط الجديد الذي يرسمه بايدن"، تحدثنا عن شكل السياسة الخارجية التي يرسمها الرئيس الأميركي وفريقه، وأنهم وضعوا أمام أعينهم عنوانا عريضا مفاده أن "لا مزيد من الدول الفاشلة في الشرق الأوسط"، ويريدون أن يوقفوا هدر الوقت والجهد الذي يبذلونه في الشرق الأوسط من خلال تصفير المشاكل حتى بين إيران والسعودية، ولعل ذلك قد تأكد من خلال مؤتمر بغداد الذي دعا له الكاظمي من واشنطن وعقد في 28 أغسطس/آب الماضي، والذي كتبنا عنه وأهدافه مقالا بعنوان "مؤتمر دول الجوار والرهان الخاسر"، لنخلص من المقالين أن أميركا بايدن تريد أن تتفرغ للمارد الخارج من قمقمه، والذي بدأ يتهدد تايوان بتوغل قياسي واستفزازي بـ56 طائرة للجزيرة المحمية أميركيا، والرسالة بعلم الوصول لواشنطن.

ساسة العراق وشركاء العملية السياسية يريدون أن يكونوا جزءا من هذه التشكيلة للمنطقة، برضا تام من واشنطن التي لطالما فرضت على قادة مليشياتهم عقوبات وجمدت ودائع وممتلكات، والآن وبعد الوفاق الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية مع إيران من خلال الاستجداء لاتفاق مرضٍ لطهران حول مشروعها النووي وصواريخها الباليستية، فإن الطرق على رؤوس ساسة العراق ومليشياتها سيخف من قبل أميركا، وهي الفرصة الذهبية لتوسع إقليمي ودولي يضفي شرعية أكبر على المنظومة الحاكمة بأحزابها وبرلمانها ورئاسة وزرائها لمشروعات أكثر إدرارا للدخل من المكاتب الاقتصادية في حواري المحافظات والمدن.

ثوار تشرين وانتخابات العراق

التمهيد لهذه الانتخابات لم يكن بالترغيب والترهيب كما ذكرنا فقط، ولكن كان أيضا باختراق صفوف الثوار الذين أطاحوا بعادل عبد المهدي رئيس الوزراء السابق، من خلال إقناعهم بالنضال السياسي، وهو ما أكدنا على عدم جدواه في مقال بعنوان "النضال السياسي في دولة المليشيات"، فاستخدموا المال السياسي تارة ووسيلة الإقناع المنطقي أخرى لجر الثوار لكي يكملوا مسيرتهم عبر الانتخابات، وقد ساهم في خلق تلك القناعة لدى عدد من الثوار، حالة الإنهاك التي أصابت الثورة والثوار خلال عامين مورس عليهم فيهما كل أنواع القتل والتعذيب والاعتقال، بدءا بالقنص وانتهاء بتفجير البيوت، ومرورا بالاعتقال في أماكن غير آدمية والإخفاء القسري.

طاف بعض المحسوبين على تشرين بعض المدن في العراق يبشرون بالنضال السياسي وحتمية دخول الانتخابات، ويقنعون الساحات والثوار الأوائل بوجوب الخوض في هذا الطريق وتجربته، وأن الثورة لا طاقة لهم بها، وأن لا قبل لهم بالحكومة وقواتها الأمنية والمليشيات وعناصرها العسكرية، والتيارات وقبعاتها الزرقاوية، وأن عليهم أن يدخلوا البرلمان ويحققوا أهداف الثورة من خلاله وينتزعوا حقوق الشهداء والمصابين في الثورة عبر التشريعات ومحاسبة الفاسدين بالقانون، فالتظاهرات لم تجن إلا مزيدا من الشهداء والمصابين والمخفيين قسرا.

هذه الخدعة لم تنطل على أغلب ثوار تشرين، وإن صدقها بعض الرافضين للعملية السياسية وشركائها من عوام العراقيين، ولا سيما أن من روّج للفكرة وجوه عرفها العراقيون ثائرة غاضبة من الساسة الفاسدين والمليشيات الحاقدة وآلاتهم الإعلامية الطائفية التي تروج للكراهية والتمييز بين العراقيين، فإذا بهم يرونهم واقفين في نفس الصف مع من ناهضوهم بالأمس بحجة تطوير أدوات النضال.

لعل نتائج الانتخابات أظهرت حقيقة المقصود من الترويج عبر صفوف الثوار من وجوب خوض غمار الانتخابات وتدشين ما أسموه بالنضال السياسي من الداخل، حقيقة مفادها أن لا فائدة من تلك الطغمة الجاثمة على صدر العراق سارقة خيراته من أجل عيون سادتها في طهران، وليجع العراقيون ليشبع ملالي طهران تقربا وزلفى لمرشد إيران.

التغيير في العراق بين الثورة والانتخابات

يعرف علماء السياسة التغيير بأنه انتقال المجتمع أو الدولة من حال إلى حال، من الحاضر إلى المستقبل، وصولا إلى أن تصبح أو يصبح المجتمع طرفاً فاعلاً في الأحداث، مما يعني التحول الذي يدفع المجتمع بأفراده ومؤسساته وهيئاته إلى حالة أكثر إيجابية، تعطيه القوة والفاعلية لإدارة شؤونه، وهو ما يفتقده العراق منذ الاحتلال الأميركي، فالدستور وما نتج عنه من مؤسسات سياسية ومجتمعية لا يزال رهن قوتين هزمتا إرادة العراقيين وفرضتا عليهم إملاءات رضخ لها الساسة ومن يديرون دفة البلاد.

والتغيير يتخذ أشكالا عدة، تبدأ بالإصلاح الذي يتحمله الفلاسفة وعلماء الدين وعلماء الاجتماع، وصولا لتهيئة المجتمع لحالة الاستقلال الحقيقي وإدارة شؤونه وفق المصالح العليا لمواطنيه، مرورا بالنضال السياسي عبر الأدوات الديمقراطية المعروفة والمعترف بها في الأمم، وصولا إلى الثورة عندما تقف الطبقة المسيطرة على مقاليد الأمور أمام التغيير المنشود.

ولما كان عقلاء العراق وعلماء الدين والاجتماع فيها والمصلحون قد ضيق عليهم لصالح جوقة تعزف أنغام النصر وقت الهزيمة لمن يقود البلاد في هذه المرحلة، ولما كان أغلبهم بين سجين ومكمم الفاه أو مهدد في رزقه أو هاجر خوفا من كل ما فات، فإن طريق الإصلاح موصد دون المصلحين للتغيير.

والنضال السياسي خدعة في ظل سيطرة القلة الحاكمة على كل أدوات التغيير السلمي وتداول السلطة من إعلام وما يداخله من حق في حرية التعبير، سواء في تلك الوسائل أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظل إعلام مضاد يبث الكراهية والفرقة بين العراقيين ويصنفهم بحسب انتماءاتهم، معارضين أو مواليين. والكل موالٍ طالما لم يخرج عن دائرة الأحزاب والتيارات، ولو لم يكن في الحكومة، كما أن الجهات الرقابية تعمل لصالح تلك الفئة الحاكمة فتخفي فسادها وتغطي عوارها، ويعمل في ذلك المضمار القضاء الذي تمت السيطرة عليه بتعيين أنصار ومريدي تلك الأحزاب والتيارات للقضاء بين الناس بما يراه ساداتهم ومن عينوهم، مما يعني أن العملية الديمقراطية مبتسرة، والمشارك فيها يجمّل وجه النظام القبيح.

ولما كان ما كان، فإن الحل هو الثورة واستكمال ما بدئ، فإرادة الشعب فوق كل إرادة وإذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب المجتمع الدولي ويندحر الرصاص أمام إرادة الشعب، والأدوات كثيرة لكن الطريق طويل.. "تقول العرب في الإنسان إذا مرض آخر العلاج الكي، وتقول الشعوب في الوطن إذا مرض، آخر العلاج الثورة".

 

سبع مناطق في اليمن: كيف انقسم اليمن وسقط وماذا يأتي بعد ذلك...

 الخميس 14 تشرين الأول 2021 - 10:46 ص

سبع مناطق في اليمن: كيف انقسم اليمن وسقط وماذا يأتي بعد ذلك... سيكون لتفكك اليمن تداعيات خطيرة عل… تتمة »

عدد الزيارات: 75,113,706

عدد الزوار: 1,957,540

المتواجدون الآن: 53