الحلقة الأولى: العالم في 2022 تحديات وتحولات..

تاريخ الإضافة السبت 15 كانون الثاني 2022 - 7:07 ص    التعليقات 0

        

الحلقة الأولى: العالم في 2022 تحديات وتحولات...

الشرق الاوسط... بعد نشر ملف عن السنة الماضية وآراء مجموعة من الخبراء والمحللين وقراءتهم لأحداث 2021، تفتح «الشرق الأوسط» اليوم صفحاتها أمام نخبة من المسؤولين والمثقفين العرب والأجانب، لتقديم مقارباتهم إزاء تحديات 2022 وتحولاتها في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية. ويستعرض المشاركون مسارات التغيرات المتوقعة في العالم وعلاقتها بالعالم العربي مع تقديم استقراء لمآلاتها الممكنة، خصوصاً أن المؤشرات تدل على أن العالم يغادر النظام الذي عرفناه في السنوات الماضية ويعيش مرحلة مخاض ينتج عنه نظام عالمي جديد، يتطلب تلمس ملامحه الكثير من التفكير والتريث. لا يتضمن هذا الملف جميع الأفكار والمقاربات، لكنه يضع أمام القارئ نقاطاً وطروحات، يطمح عبرها إلى فتح نقاش بين المعنيين والمساهمة في إثارة الحديث عن أفكار ومقاربات أخرى، لتوسيع حلقة التأمل والتعمق في هموم العالم والمنطقة.

القضّ والقضيض والعام الجديد

عمرو موسى - رئيس «لجنة الخمسين» ووزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام للجامعة العربية الأسبق...

نعم، انتهى عام 2021 بقضّه وقضيضه، وجاء عام جديد ومعه آمال في ألا يكون مثل سابقه، وأن يوفر للناس في أرجاء العالم الأربعة وقاراته الخمس (أو الست) فرصة للعودة إلى حياة طبيعية، وإن بقضٍّ وقضيض مختلفين، يعبّر عنهما بتعبير «الطبيعي الجديد» (New normal). وهو تعبير ذو طرافة سياسية، إذ يؤكد أن العودة، حين تتم، فسوف تكون إلى ما هو طبيعي كما عشناه وعرفناه، وإنْ –ربما– بثوب أُعيد كيّه، وألوان جرت إعادة صباغتها، ولكن يظل المضمون «هو هو». وحتى لا نتوه في غمار التحليلات لما يعنيه ذلك التعبير على مستوى العالم، دعوني أركز على ما يعنيه على مستوى الشرق الأوسط والعالم العربي.

أولاً: لا أعتقد أن الانتقال من عام إلى آخر يشكل في ذاته نقلة نوعية عندنا، ما عدا الاحتفاء بالعام الجديد والأمل في بعض الخير منه. إن منطق الأمور لدينا والثقل السلبي لما نتحمله في نواحي حياتنا كافة يجعل من غير المنطقي أن نتوقع خيراً كثيراً.

ثانياً: إن القوى الخارجية التي تتلاعب بأقدار المنطقة، ومنها القوى الإقليمية (غير العربية) الصاعدة، لا ترى في العالم العربي شريكاً في قيادة المنطقة، وإنما ساحة للتنافس وتحقيق المصالح التي تأتي في معظمها على حساب أهل هذه الساحة، والغريب، بل الخطير، أن الكثيرين من «أهل الساحة» لا يزالون ينتظرون خيراً من هؤلاء وأولئك.

ثالثاً: لقد تغيرت أحوال العرب أنفسهم، وأرى أنه تغير إلى الأسوأ. فقد أصبح لهم أعداء استراتيجيون جدد، بل أصبح لكل دولة عربية أو مجموعة منهم عدو مختلف، ما ولّد أولويات مختلفة، ومن ثم أصبح تعبير «الأمن القومي العربي» بلا مضمون ولا بنيان ولا معنى. وفي الوقت نفسه، توقفت مشاريع التكامل الاقتصادي العربي أو تعطلت إلى درجة كبيرة. وبمعنى آخر، فلا الأمن العربي ولا الاقتصاد العربي -وكان الاثنان يعدّان «الإسمنت» الذي يربط بين الدول والمجتمعات العربية- بقيا على ما كانا عليه. لقد تآكلا.

رابعاً: حتى اللغة العربية ذاتها، الرابط الأساسي بين الناس في العالم العربي، أصابها تراجع وضمور... لم تعد النخب العربية مهتمة بلغتها ولا بتعليمها لأبنائهم وبناتهم الذين يمثلون أجيال المستقبل في العالم العربي.

إن أيدي سبأ تتفرق... وا أسفاه.

خامساً: علينا أيضاً أن نلاحظ أمرين سلبيين آخرين، أولهما يتعلق بأن مبادرات إعادة البناء أو محاولاته تتم في أغلبها بنبرة وإدارة محلية (وطنية) دون الالتفات كثيراً إلى أهمية التكامل العربي (أو الإقليمي) الذي يمكن أن يدعم عملية التنمية الوطنية، وثانيهما أنه بالنسبة إلى التحديات الجديدة التي سوف تشغلنا في السنوات والعقود التالية، مثل الأوبئة وتغيرات المناخ، لم نرَ –نحن المواطنين العرب– أي عمل كفء في مضمونه وتنسيقه بين الدول والمؤسسات العربية المعنية. فلا نحن قاومنا «كوفيد» معاً، ولا نحن أصحاب خطة إقليمية ذات بال للتعامل مع التغيرات المناخية التي قد -بل سوف- تصيب بلادنا إصابات مباشرة.

سادساً: إني أتساءل، مع كل ما سبق أو رغمه، هل هناك فرصة لأن يناقش المسؤولون العرب أموراً محددة، مثل إطلاق حملة تنويرية عربية تشمل كيفية ربط عملية التعليم في مدارس العرب ببعض البرامج المتشابهة في اللغة والتاريخ وبعض الموضوعات الجديدة والتكنولوجيا، مثل الذكاء الصناعي ومفرداته باللغة العربية واللغات الأصلية له؟

نعم، إذا تم ذلك، أو بعض ذلك، فإننا نكون اقتربنا من المشاركة مع العالم في صياغة «الطبيعي الجديد»، لأننا سوف نقدم نحن أيضاً شيئاً جديداً يمكن أن نباهي به الأمم. وأخيراً، أود أن أضيف ملاحظة إيجابية، إذ ذكّرني أحد المسؤولين الليبيين الذين التقيتهم مؤخراً بأنهم في ليبيا شعروا بجوٍّ إيجابي تسلل إلى أجوائهم السياسية بعد المصالحة العربية إثر اجتماع العُلا والتهدئة الجارية بين تركيا ومصر.

هناك بعض الإيجابيات الأخرى لا شك، ولكنها لا تكفي كي تشكل Trend، كما يقولون... وكل عام وأنتم بخير.

من بؤرة للصراع والمواجهة إلى ميدان للتعاون والتكامل الإقليمي

مصطفى الكاظمي - رئيس الوزراء العراقي ...

تؤشّر خريطة الأزمات والحروب والصراعات المهدِّدة للسلم والاستقرار في العالم منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي باللون الأحمر، دلالة على اعتبارها بؤرة للتوتر والمواجهة الدائمة، مرشحة للتمدّد والاشتعال، على خلفية ما تعانيه منذ عقود من سلسلة من الصراعات المركّبة. ويكتسب هذا التوصيف طابعَه المنطقي من الموقع الجيوسياسي للمنطقة كجسر بين الشرق والغرب؛ وهو ما يسهّل أن تكون بيئة حاملة وسيطة لانتقال التحوّلات الحضارية الكبرى في العالم، كما الصراع داخلها، وهو ما يفسّر الإحالات الدائمة إلى الخلفيات التاريخية في تفسير مثل هذا الواقع. ولكن هذه الإحالات غير كافية لوضع الحقائق في مكانها، على ضوء تعدّد تجارب أمم أخرى واجهت استعصاءاتٍ جغرافية وتاريخية خطيرة، نجمت عنها حروبٌ وصراعاتٌ دموية كبرى، لكنها وجدت طريقها في نهاية المطاف إلى السلم الأهلي واستتباب الأمن والاستقرار والتعاون والتعاضد الاجتماعي. ومن ذلك، يمكن تقييم ما تنطوي عليه منطقة الشرق الأوسط من إمكانيات تَحَوّل، رغم التناقضات التي تعاني منها، وهي وريثة حضاراتٍ كبرى منذ فجر التاريخ، دشّنت حقبة الحداثة، من دون أن يتحقق التصالح بين تراثها وجوهر الحداثة المتبنّاة، ولو شكلياً، في أنظمتها الجديدة. مع الأخذ في الاعتبار دور تدخّل العامل الخارجي في صنع سياسة الدولة، وتعميق التناقضات الداخلية، وتحويلها إلى عوامل صراعات تعيد إنتاج أزمات متفاقمة. إن طبيعة المنطقة الاستراتيجية تتسم بأنها معبر، ليس للتجارة البينية وتبادل البضائع وتنقّل الرحالة والمستكشفين فحسب، وإنما لتبادل الأفكار والآيديولوجيات، واستشراف الطموحات، وتلاقح القيم والمفاهيم الإنسانية، وخبرة الأمم. ومن هنا يتداعى السؤال المشروع عما إذا كان استمرار الصراع والتناحر واللااستقرار ودوام الاضطراب والأزمات التي لازمت منطقتنا قدراً لا يمكن الفكاك منه، أم أن تجارب شعوب وأمم في مناطق أخرى من العالم عانت مما نعاني منه، واستطاعت أن تتجاوز ذلك وترسم لها مساراتٍ مغايرة تماماً، ونجحت في أن تتحوّل إلى نماذج بنّاءة تُحتذى.

فهل لشعوبنا أن تحدّد لمستقبلها خياراتٍ بديلة تضعها في مصاف الأمم والدول المتطورة؟

لقد حقّ لنا في العراق أن نواجه هذا السؤال بمنتهى المسؤولية، قبل أن نسعى لإشراك أشقّائنا وجيراننا بالبحث عن جواب عنه. كان من الواضح لنا، دون تردّد، ونحن نطرح على أنفسنا مثل هذا السؤال المصيري، توفُّر كل شروط ومستلزمات قيادة منطقتنا على طريق التحول من بؤرة مأزومة مشاغبة مهدِّدة للسلم والاستقرار، إلى بيئة إيجابية ومساحة مفتوحة للتطور والنمو والتعاون المثمر بين شعوبها، وجسر للتواصل مع الشعوب والأمم الأخرى. إن ثروات منطقتنا ومواردها البشرية وعمقها التاريخي الحضاري تشكّل مصادر لها لتحقّق ذاتها، وتعيد النظر في خياراتها، لتستنهض طاقاتها الخلاّقة وتوظف مصادر قوتها الكامنة، ولتستعيد ما كانت عليه من مكانة للرقي والتقدم في كل الميادين التي جعلت منها منارة إنسانية مزدهرة. وما يلهمنا، ونحن نتطلّع لمثل هذا التحول التاريخي، تجارب معاصرة استطاعت أن تتجاوز تخلّفها وصراعاتها الدموية وفقر مواردها الطبيعية، لتتحوّل إلى نماذج في التقدم والتطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتصبح حاضرة على الصعيد العالمي. ويمكن إيراد تجربة سنغافورة، التي كانت في منتصف القرن الماضي مركزاً للأوبئة الخطيرة، ومسرحاً للعصابات والمافيات المسلحة وبؤرة للجريمة المنظّمة، لتصبح بفضل بصيرة مؤسسها لي كوان يو ونظرته الثاقبة من بين أكثر البلدان تطوراً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والإنسانية أيضاً. كما تبرز أيضاً التجربة الرائدة لجنوب أفريقيا في تصفية نظام الفصل العنصري البغيض (الأبارتايد) وتبنّي نموذجها الديمقراطي الحر والمتطور اقتصادياً، وتصفية آثار النظام السابق ومخلّفاته. وتقدم رواندا نموذجاً آخر للتغيير والتحوّل. فبعد المجزرة التي اعتبرت بين أكبر عمليات الإبادة الجماعية العنصرية وراح ضحيتها ما يقرب من ثلاثة ملايين من البشر، استطاعت أن تنجز تحوّلها الديمقراطي، وتمضي نحو بناء الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي خلال عقدين من الزمن. وتتعدد أمثلة ونماذج النجاح على هذا الصعيد في جنوب أميركا وشرق آسيا وشرق أوروبا. أليس في كل هذه التجارب ما يؤكّد، من دون أي شك، قدرة شعوبنا وبلداننا التي تتميّز بثروات طبيعية وقدرات وموارد بشرية ورصيد تجربة تاريخية ثقافية ومعرفية، على أن تخطّ لنفسها نماذج ترتقي بها إلى ما بلغته البلدان والشعوب التي سبقتها في اختيار بديلها، وهي تتجاوز كل العناصر والقوى التي كانت تشدّها إلى ما كانت عليه من حال؟ .... لدينا كل المقوّمات لمثل هذه الانتقالة التاريخية: مصادر ثروات هائلة، وموارد إنسانية كبيرة من شباب وشابات بطاقاتٍ خلاقة، وتجمعنا مشتركاتٌ عديدة، وإرث حضاري تاريخي، تشكّل مجتمعة مصادر إلهام لانطلاقة جديدة. كل ما نحتاج إليه إنما يتجسّد في الرؤية والإرادة المشتركة لخلق واقع جديد، من شأنه أن يرسي أسس تواصل مستدام، قوامه تكاملٌ اقتصادي، وتبادلٌ للمنافع والمصالح، وتعزيزٌ لأواصر العلاقة بين شعوبنا، ويؤطّره قرار سياسي مبني على احترام المصالح الوطنية العليا لكل طرف، ونوايا حسنة لتأسيس منظومة أمن مشترك، ونظام اقتصادي متكامل فاعل ومزدهر. علينا أن نؤكّد على ما يعزّز تكاملنا، وينمّي تبادل خبراتنا، ويجعل من تشاركنا مصدرَ قوة لنا، ونعوّض نقاط ضعف كل طرف منّا بما عند الآخر من قوّة داعمة لتقدم منطقتنا. وعلينا أن نعتمد في خياراتنا على كل ما يعزّز وحدتنا، ويقرّب مساراتنا، واعتماد الحوار سبيلاً لحل الخلاف. في سنوات المعارضة ضد النظام السابق، حلمنا بعراق مختلف، عراق ديمقراطي حرّ، يحترم الإنسان، ويوفّر كرامة شعبه، ويتحوّل إلى حجر أساس لبناء التكامل الإقليمي.

ونرى اليوم في العراق خيارين:

أن نكون قاعدة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، أو نكون جسراً للتواصل وأرضاً للتكامل بين شعوب المنطقة. ورؤيتنا أن العراق الناهض من كبوته، والمتعالي على جراحه، والمتصالح مع ذاته، قادرٌ بالتعاون مع أشقائه وجيرانه، على تحويل مشروع الشرق الأوسط المتكامل والمتصالح والمتعاون إلى واقع معاش، وأن من شأن ذلك أن يتحوّل إلى عامل إيجابي لمعافاة العراق، ويساعد في تكريس نهوضه. لقد قمنا بكل ما علينا من التزامات خلال فترة حكومتنا الانتقالية، بوضع لُبنات لهذه الرؤية التي تكرّست في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، بحضور أشقاء وجيران وأصدقاء العراق، وعبّرنا عن نوايانا الصادقة للمضي قدماً إلى الأمام. وأثبتت التجربة أن هناك إمكانات واسعة لخلق تكامل أمني على مستوى دول المنطقة، وأن هناك حاجة ماسّة إلى ربط تلك الدول بشبكات من خطوط النقل البري والسككي، وأن الحاجة متصاعدة إلى ربط المنظومات الكهربائية، وإلى التعاون في مجالات الطاقة ونقل الغاز والاستثمار المتبادل. ولكن المنطقة تحتاج قبل كل ذلك إلى تكريس مبادرات الحل وتوسيع الحوارات الثنائية والجماعية وإبداء النيات الحسنة المتبادلة لحل الأزمات وإبعاد أي مؤثرات من خارج دول المنطقة في صياغة الحلول المطلوبة. لقد شهد العالم تغيّرات عاصفة. ونحن نعيش اليوم في حقبة تاريخية مختلفة تماماً عن سابقاتها، أصبحت خلالها مصالح الشعوب أكثر ترابطاً وتكاملاً، وتتطلب تفاعلاً أعمق، وتكاتفاً في كل الميادين الحيوية. إن منطقتنا ترتبط بمصالح مشتركة تشمل ميادين عديدة، تتسع مع تطور العلاقات بين بلدانها، يمكن أن نستثمرها في مشاريع التجارة والزراعة والصناعة، لنتحوّل إلى قطب رئيس في العالم الحديث كما كنا في العالم القديم، وأمامنا تحديات مشتركة كبيرة، من الإرهاب والفقر والجفاف والإشكاليات المجتمعية والبيئية الأخرى، والتي تفرض علينا التعاون المشترك للتقليل من آثارها وللتغلب على عواقبها نهائياً. إن شعوبنا تستحق بجدارة أكثر مما هي عليه، ولديها أكثر مما قدّمت للمساهمة في مسيرة الحضارة البشرية، وهي قادرة، وتمتلك الإرادة اللازمة لصنع التغيير. وقد أكّدت التجربة أن الإرادة لدى قيادات دول المنطقة مهيأة أيضاً، وأن الاستعداد جاهز لإحداث تعاطف صادق وصريح يجمع بيننا. وهو ضروري للتحوّل من المراوحة في ظل الأزمات وتدويرها وإدامة مسبباتها، إلى تكريس المصالح المشتركة والتكامل في إطار المعافاة والازدهار.

عالم متحرك ينتقل إلى هندسة مختلفة

الدكتور غسان سلامة - أستاذ شرف للعلاقات الدولية بمعهد الدراسات السياسية في باريس

تعترض الناظر في تحولات النظام العالمي عقبات ليست بالهيِّنة. فعليه أن يترفع عن انحيازاته الواعية أو المضمرة، وأن يتجاوز اهتمامه التلقائي بأمكنة تعني له دون غيرها، وأن يحتسب أن عاماً من الزمن ما هو غير برهة عابرة من مسار ذاك النظام، ناهيك بذلك التشوش الكوني الذي أضافته الجائحة على بصيرة الناس جميعاً. لكن على المرء السعي، وهذا ما نحن إليه.

نحن وسط نظام متحرك ينتقل تدريجاً إلى هندسة مختلفة. ويعني هذا الانتقال، أولاً، الدول الكبرى المتحكمة بمفاصل النظام الأساسية، بدءاً من دولة لا يشك أحد أنها عظمى، ولو أنها تبدو خائفة من وصول منافسين آخرين إلى مرتبتها. ومن ثانية، كانت دولة عظمى حتى انهيار جدار برلين، يوم تقلصت رقعتها وتراجع نفوذها، وراح من يتعامل معها كقوة إقليمية في محيطها المباشر، لكنها ما لبثت أن سعت مجدداً للفوز بمرتبة عالمية، ومن أوكرانيا إلى سوريا فأفريقيا، بدت كأنها استعادت، ولو جزئياً، تلك المكانة.

ومن ثالثة، تمكنت من القيام بقفزة اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ، أخرجت مئات الملايين من مواطنيها من خانة الفقر، فأصبحت قوة عظمى بمعيار الاقتصاد، وراحت تسعى إلى ترجمة هذا الترقي المادي إلى لغة النفوذ الاستراتيجي، بل سارت خطوات كبيرة على تلك الطريق، حتى اعترفت بها الدولة العظمى خصماً أولاً لها في النظام، بل هي أعلنت على الملأ قرارها بتطويق هذا المزاحم الطموح قبل أن يستكمل تحوله إلى منافس خطر.

يعني هذا التحول، أن تفُّرد الولايات المتحدة بمجمل النظام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لم يدم طويلاً، إن لم يكن في حقيقة الأمر سراباً واندثر بفعل النهوض العسكري الروسي وشبه المعجزة الاقتصادية الصينية. ويشي التحول بأننا في خضمّ عملية واسعة لإعادة توزيع القوة بين الدول الكبرى، وإنْ كانت الولايات المتحدة لا تزال تتميز عن غيرها باستجماعها معظم عناصر القوة: من ماكينة عسكرية لا شبيه لإمكانياتها، إلى عملة ما زالت الأكثر شيوعاً في العالم، إلى قفزات تكنولوجية لا تتوقف وتيرتها لحظة. ولكنّ دولاً أخرى صارت عازمة هي الأخرى على استكمال عناصر القوة كما باتت تُحدَّد اليوم، والتكنولوجيا السيبرانية كما الذكاء الصناعي هما من أهم مكوناتها.

لكنّ إعادة توزُّع القوة لا تنحصر البتة بالثلاثي السابق. فلدى أوروبا من الإمكانيات ما يؤمّن لها موقعاً لا يستهان به في النظام الدولي قيد التكون، إذ تمكنت مؤسساتها المشتركة من تجاوز وقيعة «بريكست»، بينما يعبٌر الأوروبيون عن تمسك متزايد بما يجمعهم، بدءاً باليورو و«شينغن» و«إيراسموس» وغيرها من المنجزات، ولو أن قدرات القارة الهرمة في المجال العسكري لا تقارن بإمكانياتها المالية والصناعية والتكنولوجية. ولا يبدو لي أن هذا التفاوت الكبير في مكونات نفوذها مقبل على تصحيح قريب.

في المقابل، فإن عودة الدول العظمى للتركيز على التنافس فيما بينها، فتح الباب أمام قوى وسيطة تمكنت من حيازة هذا أو ذاك من عناصر القوة، فأرغمت القريب والبعيد على أخذها بالحسبان. وهذه حال إيران التي تمكنت من تعظيم قدراتها الصاروخية ومن بناء تحالفات آيديولوجية متينة مع قوى تدين لها بالولاء، كما هو حال تركيا التي تمكنت من بناء خط استراتيجي، متعرج إنما مستقل، خلال العقدين الماضيين، دون أن تضطر للخروج من تحت المظلة الوقائية الأطلسية. وهذا طبعاً، حال الهند المستعدة للاستفادة المتنوعة من مقارعة واشنطن للنفوذ الصيني، أو اليابان التي تخرج تدريجاً من القيود التي تحكمت بها في العقود المنصرمة، وأيضا، إندونيسيا الطامحة لدور أكبر في الساحة الإسلامية.

لا تعمل روسيا ولا الصين أو الهند أو اليابان على نشر آيديولوجيا بعينها بقدر حرصها على مد نفوذها. أما الغرب، فهو ما زال مقتنعاً إلى حدٍّ كبير بأن حضارته هي الوحيدة الجديرة بأن تعد عالمية في مضمونها وقيمها ومؤسساتها. لذلك، استتبع تفوق الغرب إجمالاً سعياً حثيثاً لتصدير نموذجه لما هي الدولة والحكم الرشيد والمشاركة السياسية إلى مختلف أنحاء العالم. وأدى هذا الجهد التبشيري إلى اعتراضات واسعة من شرائح اجتماعية ترفض، لا نفوذ الغرب وحسب، بل نموذجه السياسي والاجتماعي أيضاً. أما في الغرب نفسه، فقد شكل هذا الأمر معضلة عميقة داخل النخب الحاكمة، بين الداعين لتغليب المصالح الوطنية على أي اعتبار آخر وبين الساعين لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويقيني، أن السنوات المقبلة ستشهد خفوتاً لدعاة حقوق الإنسان وتنامياً للواقعية القائلة بأن الغرب بات عاجزاً عن تصدير مفاهيمه، هذا إن كان هو نفسه مقتنعاً بها. من هنا نجد نوعاً من التأقلم مع الانقلابات التي حصلت مؤخراً في دول مثل ميانمار أو مالي أو غينيا، ونوعاً من الاستكانة لتراجع المد الديمقراطي على مستوى العالم، كما رأينا في خواء قمة الديمقراطيات التي عقدها بايدن منذ أسابيع (التي بالمناسبة لم تدع دولة عربية واحدة لحضورها).

في المقابل، فإن الهم الديمغرافي هو الذي بات طاغياً في مختلف دول الغرب، وترى ذلك في فوز دونالد ترمب ببرنامج شوفيني غير مسبوق، أو في مبادرته لبناء جدار يفصل بلاده عن المكسيك، أو في نمو تيارات اليمين الشوفيني في مختلف الدول الأوروبية، لا سيما في شرقها وأيضاً في شمالها الاسكندنافي. وسيزداد الهلع من موجات النازحين من أفريقيا ومن آسيا في مختلف دول أوروبا الغربية، كما من أميركا الوسطى والجنوبية في الولايات المتحدة. وكان مقال لآن ماري سلاوتر في «ذي إيكونوميست» قد استوقفني، جوهره أن العنصر الأكثر تأثيراً على السياسة الخارجية الأميركية في السنوات والعقود المقبلة سيكون التركيبة السكانية للولايات المتحدة، حيث سيفرض تصاعد غير البيض توجهات مختلفة جوهرياً عن التي اعتدنا عليها. ندخل في زمن سيشعر فيه الرجل الأبيض لا بانحسار نفوذه السياسي وحسب، بل بالانكماش المتفاقم لحصته من سكان العالم، وبالشهوة المتزايدة لدى المليارات من مساكين العالم للهجرة إلى أصقاعه، ولو ركبوا لتحقيق حلمهم أصعب المخاطر عبر البحار والصحاري.

لن تتوقف النزاعات طبعاً في عالم تتحكم به فروقات هائلة في الثروة، وهويات دينية ومذهبية وقومية متناحرة، وأحلام بالترقي لم تتحقق، فأورثت أصحابها مشاعر بالظلم والتفرقة. لكن نزاعات الدول ستبقى نادرة الحصول، بل إن ترساناتها ستكون فعالة بمجرد وجودها كمصدر للردع ودونما حاجة لاستعمالها. لن تقْدم الدول القادرة على حروب، بل على عمليات متكررة ضد خصومها، هي أقرب لحملات الشرطة منها للحروب، ولن توظف الآلاف المؤلفة من الضباط والعسكر، بل ستعتمد على الطيران المسيّر من بُعد، وعلى الصواريخ الذكية، وعلى شركات الأمن الخاصة (وهو اسم المرتزقة بعد اليوم). في المقابل، ستعتمد دول أخرى على جماعات مسلحة تواليها وتحارب بالنيابة عنها، دون أن تورّطها بحروب لا طائل منها. فسترانا نودّع المعارك (المحددة في ثلاث: الزمان، والمكان، وهوية المتقاتلين) كما نظّر لها كلاوزفيتش، لندخل عصر العمليات المتكررة التي لا تنتهي بانتصار بيّن ولا بهزيمة نكراء، بل بتعديلات جزئية متراكمة على ميزان القوى بين الخصوم.

وبالتوازي مع حلول العمليات الشرطية مكان الحروب التقليدية، سينتقل ميدان التخاصم من ميادين القتال إلى عالم المال والاقتصاد، فيزداد اللجوء للعقوبات الفردية والجماعية، وتجميد الودائع والرساميل، وتشجيع الاستثمار، أو بالعكس الحرمان منه. فالتحول في النظام الدولي السياسي يتم وسط شيوع الرأسمالية، وانتصار النيوليبرالية، ما يجعل المصارف المكان الأمثل لمحاربة الإرهاب كما لمعاقبة الخصوم. وسيزداد بالتالي دور وزارات الخزانة في تنفيذ السياسة الخارجية على حساب الدبلوماسية التقليدية.

وفي المقابل، سينتقل التنافس بين الدول القادرة من الطائرات والدبابات إلى الميدان الأكثر تقدماً، أي إلى الفضاء السيبراني. من هنا، نجد الاستثمار الهائل الذي نشهده اليوم في وسائل الهجوم على الحاسوب، للتلاعب بانتخابات الخصم أو لتعطيل مؤسساته ولتفكيك مجتمعاته، كما في وسائل الدفاع عن المنجزات التكنولوجية المحقَّقة ضد الأعداء المحتملين أو ضد جواسيس هم التكنولوجيون، ولن تدع الحكومات القادرة مجال «السوشيال ميديا» للأفراد والجماعات، بل ستهتم باحتلاله وتطويعه للدعاية لنفسها، كما لمراقبة مواطنيها، أو للتجسس على خصومها. ولن تختار الدول مجال تحركها كما تشاء. فهذه أميركا تقرر التركيز على التحدي الصيني، لكنّ نشاط بوتين في أوكرانيا أو في سوريا، كما نمو نفوذ طهران، يعيدانها إلى منطقتنا. وهذه الصين تنأى بنفسها عن النزاعات خارج محيطها المباشر، لكنها تضطر لاحقاً للدفاع عن مصالحها الاقتصادية المنشورة عبر الكرة الأرضية. وهذه أوروبا تسعى للتحلل من ارتباطاتها الاستعمارية، لكن القلق من الإرهاب ومن الهجرة غير الشرعية يرغمانها على التوغل مجدداً في نزاعات القارة السمراء. وسيكون من الصعب على كل هذه الدول الاعتماد على الأمم المتحدة للنيابة عنها في هذه القضايا. فالمنظمة لم تتمكن من أن تصبح آلية الأمن الجماعي التي حلم بها المؤسسون، بل راحت تتجنب المهمة الأولى المناطة بها، أي حفظ السلام والأمن، واستبدلت بها مهام مفيدة وضرورية لكنها أقرب منالاً، كالتغيُّر المناخي، ومكافحة الجوائح، وإطعام المعدومين ورعاية اللاجئين، والمساواة بين الجنسين، أو الدفاع عن حقوق الإنسان، وتحولت بالتالي من منظمة سياسية وأمنية ودبلوماسية إلى جمعية إنسانية، وإلى منصة تبشيرية للقضايا التي لا يختلف عليها نظرياً اثنان. وهذا بالتمام ما يريده القادرون من أعضائها لها. ومن سخريات القدر، أننا بدأنا القرن ونحن مندهشون من عظمة العولمة وهولها، وبتنا اليوم لا نكاد نرى فارقاً حقيقياً بين السياستين الداخلية والخارجية، كأن العولمة قد أدت عملياً إلى توسعة الأولى إلى حدود العالم على حساب الثانية التي فقدت خصوصيتها إلى حد كبير. فالإرهاب لا يعرف حدوداً، ولا الحرب عليه، والمعضلة الديمغرافية لا تعترف بالحدود بل تريد تجاوزها، والسويفت المصرفي عابر للحدود بطبيعته. أما الفضاء السيبراني، فقد قام في جوهره على عالم بلا حدود، لا للمعلومة ولا للرأي. وبات العالم اليوم منقسماً بالفعل بين مجتمعات قادرة على الفعل بأدوات التقنية المتجددة في كل صباح، وبين مجتمعات أخرى ما زالت ضحية نزاعات الأمس وأدواتها من اقتتال وتحارب ومخيمات اللاجئين ومآسي المهجّرين. وسنعيش على كرة تحضننا جميعاً، إنما في أزمنة متباعدة، كأننا غرباء بين أهلينا.

 

 

التوسط في وقف إطلاق للنار في الصراع الاقتصادي في اليمن...

 الإثنين 24 كانون الثاني 2022 - 3:03 م

التوسط في وقف إطلاق للنار في الصراع الاقتصادي في اليمن... بموازاة المعارك الدائرة في اليمن للسيطر… تتمة »

عدد الزيارات: 82,780,080

عدد الزوار: 2,055,998

المتواجدون الآن: 58