حول اللامساواة وما تثيره من سخط في الشرق الأوسط....

تاريخ الإضافة الجمعة 3 نيسان 2020 - 7:37 م    عدد الزيارات 296    التعليقات 0

        

حول اللامساواة وما تثيره من سخط في الشرق الأوسط....

مركز كارنيغي.....ليديا أسود....

ملخّص: اللامساواة الحادة هي السبب الكامن وراء الاحتجاجات في الشرق الأوسط، لذا ثمة عاصفة أكبر تتأهب للاندلاع في المنطقة في ظل غياب الإصلاحات البنيوية الحازمة......

الاحتجاجات التي تشهدها بلدان عدة في الشرق الأوسط والتي بدأت في العام 2018 وتتواصل حتى يومنا هذا، ويصفها البعض بأنها "ربيع عربي جديد"، مرتبطة مباشرةً بمستويات قصوى من اللامساواة. ولذا، فإن معالجة اللامساواة هي أولوية أساسية في التقدّم نحو تعزيز الاستقرار السياسي والديمقراطية في المنطقة، ولاسيما أن اللامساواة تتسبّب بترسيخ الأنظمة السلطوية، وتضمن سيطرة النخب السياسية والاجتماعية. وفي غياب إصلاحات اقتصادية بنيوية تستهدف الفقر واللامساواة، تتأهب عاصفة أكبر للاندلاع في المنطقة. في كانون الأول/ديسمبر 2018، دفع رفع أسعار الخبز بالسودانيين إلى النزول إلى الشارع، ماأسفر في نهاية المطاف عن سقوط الرئيس عمر البشير. وفي مصر، في أيلول/سبتمبر 2019، قام محمد علي، وهو رجل أعمال منفيّ ومتعاقد سابق مع الجيش لأعمال البناء، بتسجيل مقطع فيديو يعرض فيه كيف أقدم الرئيس عبد الفتاح السيسي على اختلاس أموال عامة لشراء منزل فخم له، من جملة أمور أخرى. وقد حقّق شريط الفيديو انتشاراً واسعاً وحفز اندلاع احتجاجات حاشدة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2019، نزل محتجّون عراقيون إلى الشارع للمطالبة بـالخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء. وفي الوقت نفسه تقريباً، انتفض اللبنانيون بعدما أعلنت الحكومة عن فرض ضريبة على خدمة الواتساب وغيرها من تطبيقات الهواتف الخلوية، ماأضاف إلى قائمة طويلة من إجراءات التقشف التي اتُّخذت خلال العام المنصرم، والتي أثّرت بصورة غير متكافئة على الفئات الأكثر هشاشة بين السكّان. أخيراً، في إيران، أدّى ارتفاع أسعار المحروقات إلى اندلاع تظاهرات واسعة النطاق في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. كانت الدوافع وراء هذه الاحتجاجات متشابهة إلى حد كبير. فقد احتجّ المواطنون رفضاً للظروف المعيشية ومن أجل المطالبة بوضع حد للمنظومات الاقتصادية التي أتاحت للطبقات السياسية الصغيرة والفاسدة بأن تعيش على حساب الأكثرية. وحتى في الجزائر، حيث لم تكن الأسباب اقتصادية على نحوٍ واضح وجليّ، طالب المتظاهرون أيضاً بتوفير فرص اقتصادية أكبر. بعبارة أخرى، كان الهدف من الاحتجاجات إحداث ثورة في النظم السياسية القائمة والدفع باتجاه توزيع الموارد الوطنية على نحوٍ أكثر عدلاً. المطالب التي يرفعها المحتجّون هي من عوارض التطورات التي شهدتها المنطقة في الأعوام الأخيرة. فقد تحررت الاقتصادات، ولاتزال أعداد السكان في ازدياد، وعددٌ كبير من البلدان تهزّه النزاعات ويتعامل مع عدد متزايد من اللاجئين. ونظراً إلى تراجع أسعار النفط، لم يعد ممكناً للحكومات إعادة توزيع الثروات من خلال دمج مواطنيها في القوة العاملة في القطاع العام أو تخصيص مبالغ كبيرة لإنفاقها على الدعم الحكومي لأسعار السلع والخدمات. وهذا أدّى إلى تفاقم اللامساواة الذي ترافقَ مع تشكيك في العقد الاجتماعي في عدد كبير من بلدان المنطقة.

المنطقة ذات المستوى الأعلى من اللامساواة في العالم

بحسب البيانات المتوافرة، الشرق الأوسط هو المنطقة التي تشهد المستويات الأعلى من عدم المساواة في العالم: فقد جمعت دراسة أجراها مختبر اللامساواة العالمية للعام 2018 للمرة الأولى كل البيانات المتاحة عن المداخيل والثروات في خمسة عشر بلداً في المنطقة – بدءاً من مصر وصولاً إلى إيران، ومن بلدان الخليج وصولاً إلى تركيا – ودمجت بينها لوضع تقديرات عن اللامساواة في المداخيل على المستوى الإقليمي في الأعوام من 1990 إلى 2016. وجاءت النتائج صادمة: ففي خلال هذه المرحلة، ذهب 64 في المئة من مجموع الدخل الإقليمي إلى نسبة العشرة في المئة التي تأتي في أعلى قائمة المداخيل في الشرق الأوسط، مقارنةً بـ37 في المئة في أوروبا الغربية و47 في المئة في الولايات المتحدة. ووفقاً لهذه الأرقام، اللامساواة في المداخيل في منطقة الشرق الأوسط مرتفعة كما في البلدان ذات المستوى الأعلى من اللامساواة، مثل البرازيل وجنوب أفريقيا ... يكشف توزيع المداخيل في المنطقة أيضاً عن تركّزٍ شديد. فقد حصلت نسبة العشرة في المئة التي تتصدّر قائمة الأشخاص الأكثر ثراءً على مداخيل تفوق بستة أضعاف مجموع المداخيل الخاصة بنسبة الخمسين في المئة من السكان الذين هم في أسفل هرم الدخل (انظر الشكل 1). أما نسبة الأربعين في المئة التي تقع في وسط هرم التوزيع، وتمثّل عموماً الطبقة الوسطى، فحصّتها من الدخل هي أدنى بكثير من حصة العشرة في المئة في أعلى الهرم في المنطقة، إذ إنها أقل بـ20 إلى 30 نقطة مئوية. وهذا مختلف تماماً عن أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث حصلت الطبقة الوسطى على حصّة من المداخيل أكبر من، أو مساوية تقريباً للحصة التي حصلت عليها نسبة العشرة في المئة الأكثر ثراءً خلال الفترة نفسها. ولم تحصل نسبة الخمسين في المئة من السكان الذين هم في أسفل الهرم سوى على 9 في المئة تقريباً من مجموع المداخيل في الشرق الأوسط، مقارنةً بـ18 في المئة في أوروبا. لدى مقارنة مستويات المداخيل في مختلف أرجاء العالم، كانت لنسبة العشرة في المئة ونسبة الواحد في المئة اللتين تتصدران قائمة المداخيل في الشرق الأوسط مستويات من المداخيل مشابهة عموماً للمستويات لدى نظرائها في البلدان ذات المداخيل المرتفعة، مثل بلدان أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تحصل نسبة الخمسين في المئة الأكثر فقراً على مداخيل أقل بكثير. فمستويات المداخيل الخاصة بهذه الفئة أقرب إلى المستويات لدى نظرائها في بلدان نامية أخرى ... تُعزى اللامساواة الشديدة في المنطقة، أولاً، إلى الفوارق الهائلة في المداخيل بين البلدان الغنية بالنفط والبلدان ذات الأعداد الكبيرة من السكان. فعلى سبيل المثال، كانت دول الخليج تمثّل، في العام 2016، نسبة 15 في المئة فقط من مجموع السكان في المنطقة، لكنها حصلت على نحو نصف مجموع المداخيل الإقليمية. بعبارة أخرى، المحرّك الأساسي لانعدام المساواة في الشرق الأوسط هو الثغرة الكبيرة في متوسط الدخل بين بلدان الخليج والبلدان العربية الأخرى، بسبب إيرادات المواد الهيدروكربونية. وغالب الظن أيضاً أن مستوى عدم المساواة مرتفع في كل واحد من البلدان، حتى لو كان من الصعب حالياً الحصول على تقديرات دقيقة بسبب نقص البيانات. والبلد الوحيد في المنطقة الذي تتوافر أرقام موثوقة عن اللامساواة فيه هو لبنان. هذه المستويات الحادة من اللامساواة على المستوى الإقليمي وفي البلدان ليست بالأمر الجديد، ومردّها بصورة أساسية إلى عوامل بنيوية معروفة وطويلة الأمد. فعددٌ كبير من البلدان – الجزائر ومصر والعراق ولبنان والسودان - عبارة عن دول ريعية. وتتوقف اقتصاداتها، بوجهٍ خاص، على الإيرادات من النفط أو الغاز أو على القطاع المالي أو العقارات أو التحويلات المالية من الخارج أو المساعدات الخارجية، أو على مزيجٍ منها كلها، وهي ليست اقتصادات منتجة وصناعية. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها شرط أن يُستكمَل تراكم الريوع من خلال مؤسسات شاملة تعيد توزيع الإيرادات الريعية. لكن، في الشرق الأوسط، هذه الموارد هي عادةً في أيدي حكّامٍ تسلّموا السلطة بالوراثة أو مؤسساتٍ تسيطر عليها القيادات السياسية وشركاؤها في القطاع الخاص، في سياقٍ يتشوّش فيه الخط الفاصل بين الرأسمال العام وبين الرأسمال الخاص. ويولّد ذلك فوائد مهمة للنخب، ويحفّز الزبائنية والفساد حتى في البلدان ذات الاقتصادات التي لاتستند بصورة أساسية إلى الريع، مثل تركيا. تفضي هذه الأوضاع إلى مأسسة السلوك الريعي وتحول دون فرض ضوابط سياسية ضد نمو العلاقات غير الشفافة بين الشركات وبين الحكومات، ودون إرساء آليات تتيح إعادة توزيع الثروات.

تستطيع النخب أن تستحوذ بسهولة على حصص من المصادر الأساسية للإيرادات، مايولّد تفاوتاً كبيراً في الثروات والمداخيل. وتُظهر دراسة أجريت مؤخراً أن الزيادة في سعر النفط تُترجَم، في بلدان الخليج كما في دول سلطوية أخرى غنيّة بالبترول، إلى زيادة تلقائية في حجم الثروات المخفيّة. بعبارة أخرى، تستحوذ النخب في تلك البلدان، بصورة منهجية، على نسبة مئوية من المصدر الأساسي للإيرادات الوطنية من خلال إيداع أموال في حسابات خارجية. ولايُلاحَظ هذا النمط في البلدان التي تعتمد ضوابط مؤسسية أقوى للحؤول دون نهب الأموال، مثل النروج. وقدرة النخب على الاستحواذ على جزء من الإيرادات الأساسية لبلادها لاتقتصر على الدول المنتجة للنفط، بل جرى توثيقها على نطاق واسع في بلدان أخرى، مثل لبنان. وعندما تُضاف إلى ذلك الانقسامات الإثنية أو الدينية أو القبلية أو العائلية، نكون أمام وصفة ممتازة لانعدام المساواة بشكل حاد. ومن شأن هذه الانقسامات أن تشجّع على ظهور المحسوبيات والفساد والشبكات الزبائنية عند الخطوط الإثنية أو المذهبية أو القبلية. فتقسيم المغانم الوطنية عند هذه الخطوط يؤدّي إلى تضخيم الريوع التي تستطيع النخب الاستيلاء عليها، بما يتسبب بتفاقم مستويات اللامساواة.

التأثير الثاني للاقتصادات الريعية هو أن الحكومات لاتعتمد على الضرائب التي يسددها المواطنون من أجل تأمين استمرارها. ونتيجةً لذلك، باتت لديها محفزات أقل لتطوير قدرات قوية لدى الدولة، أو للاستجابة بفعالية لاحتياجات الرعاية العامة، أو للخضوع للمساءلة على نطاق أوسع أمام مواطنيها. وعند النظر إلى الإيرادات المالية باعتبارها جزءاً من إجمالي الناتج المحلي، مايُظهر قدرة الدولة على جباية الضرائب، أو تطبيق السياسات الاجتماعية، أو إعادة توزيع الموارد الاقتصادية، يتبيّن أن معدّل هذه الإيرادات متدنٍّ نسبياً في معظم بلدان المنطقة أو يسجّل تراجعاً في حال كان مرتفعاً على مر تاريخها. تمثّل الإيرادات الضريبية نسبة 2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في العراق، و8 في المئة في السودان، و12.5 في المئة في مصر، و15 في المئة في لبنان، مقارنةً بنسبة تتراوح من 25 إلى 35 في المئة في فرنسا أو السويد أو الدنمارك أو المملكة المتحدة، وهي دول معروفة تاريخياً بامتلاكها نظام رعاية قوياً. فسياسات الحماية الاجتماعية ضعيفة نسبياً في الدول العربية، حيث تحظى نسبة 30 إلى 40 في المئة فقط من سكّان العالم العربي بالتغطية بواسطة منظومة رسمية للحماية الاجتماعية. وفي بعض الحالات، كما في العراق أو لبنان، تخفق الدول في تأمين الخدمات حتى الأساسية منها.

تسبّبت تطورات أخرى في الآونة الأخيرة بتفاقم اللامساواة، وساعدت على تسليط الضوء على الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الاحتجاجات في الشرق الأوسط خلال العام الماضي تقريباً. من هذه التطورات الهبوط في أسعار النفط الذي دفع بتسع دول في الشرق الأوسط إلى إلغاء الدعم الحكومي للمحروقات أو الكهرباء أو المياه، أو خفضه. وبسبب التراجع في أسعار النفط، اعتمدت الدول المنتجة للنفط وبلدان أخرى في المنطقة إجراءات تقشّفية للتعويض عن الزيادات في عجوزات الموازنة. على سبيل المثال، عمدت البحرين والإمارات العربية المتحدة والسعودية، فضلاً عن الجزائر ومصر ولبنان وإيران، إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة على السلع والخدمات، أو أعلنت عن نيتها القيام بذلك. تؤدّي هذه الإجراءات إلى تقليص الرعاية المخصصة للفئات السكانية الأكثر هشاشة، وتفاقُم ظروفها المعيشية الهشّة أصلاً. وفُرِضت هذه الضرائب أيضاً في سياقٍ حيث يعاني عدد كبير من الأشخاص، ولاسيما الشباب، من البطالة، ويعيش الملايين فيفقر مدقع: ففي العراق، بلغ معدّل الفقر نحو 19 في المئة في العام 2012، وهو العام الأخير الذي تتوافر عنه بيانات؛ وفي السودان، وصل معدّل الفقر إلى 46 في المئة في 2009؛ وفي مصر في العام 2019 ولبنان في العام 2008 (العام الأخير الذي تتوافر عنه بيانات)، بلغت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في الفقر 32 و27 في المئة على التوالي؛ وفي الجزائر، كان نحو 10 في المئة من السكان يعانون من الفقر في العام 2016.

تُشكّل اللامساواة الآخذة في التوسّع والفقر المتنامي مزيجاً قابلاً للاشتعال في مجتمعات الشرق الأوسط، وسوف يستمران في تقويض الاستقرار إذا لم تجرِ معالجتهما. وتتسبب مستويات اللامساواة المتزايدة بتأجيج النزاعات واللاستقرار السياسي. ومن شأنها أيضاً أن تؤدّي إلى ترسيخ السلطة الاستبدادية. ولذلك يجب أن تكون مكافحة الفقر واللامساواة أولوية أساسية بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط.

لايجوز الإبطاء في معالجة الفقر واللامساواة

السبيل الأول لمواجهة هذه المشكلة هو تطبيق إصلاحات اقتصادية جذرية لمكافحة اللامساواة في التعليم والصحة والضرائب. تتّصف المنطقة بامتلاك منظومتَين عامة وخاصة للرعاية الصحية والتعليم. وإضافةً إلى ذلك، العائد على التعليم متدنٍّ جداً في المنطقة. وتعتمد النظم الضريبية في معظم بلدان المنطقة اعتماداً شديداً على الضرائب غير المباشرة التي تُجبى على الاستهلاك، وهي ضرائب تنازلية لاتأخذ في الاعتبار مستويات المداخيل الفعلية. يجب اعتماد نظم للضرائب المباشرة والتصاعدية، حيث تزيد المعدلات الضريبية بحسب الدخل. وقد شكّلت الضريبة التصاعدية على الدخل والثروات، تاريخياً، أداةً قوية لمعالجة اللامساواة الشديدة وتمويل خدمات الرعاية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يجب أن تترافق هذه الإصلاحات مع العودة عن الإجراءات التقشفية التي تُعتبَر غير مناسبة بوجهٍ خاص في السياقات التي تشهد مستويات مرتفعة من الفقر واللامساواة والبطالة. وقد سلّطت إستر دوفلو، الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد للعام 2019، الضوء على هذه المشكلة، إذ لفتت إلى أن "السياسيين باتوا يدركون أن التقشف كان خطأً كبيراً. فقد فُرِض بصورة أساسية على الأشخاص في مرحلةٍ كانوا يعانون فيها من الإحباط. إنه لأمر جنوني... [أن] تُخفَّض الرعاية الممنوحة لأشخاص هم أصلاً ضحايا صدمةٍ لم يتسببوا بها أو يرغبوا فيها". ويتعيّن على القادة والسياسيين في الشرق الأوسط أن يدركوا ذلك أيضاً.

ثانياً، تكشف اللامساواة الشديدة بين بلدان الشرق الأوسط عن الحاجة إلى تطوير آليات لإعادة التوزيع والاستثمار على مستوى المنطقة. يحدث ذلك الآن من خلال إقدام البلدان الغنية بالنفط على إقراض المال بانتظام إلى البلدان الأكثر فقراً. ولكن هذه الإجراءات متقطّعة وغير قابلة للتوقع عادةً. ونظراً إلى التركّز الشديد للمداخيل في بعض البلدان، من شأن آليات على غرار صناديق الاستثمار الإقليمية المشابهة لتلك التي أُنشئت في الاتحاد الأوروبي – مع تحويلات مستمرة بين البلدان الأكثر ثراء والأكثر فقراً بواقع نقاط مئوية عدة من إجمالي الناتج المحلي – أن تحدث فارقاً كبيراً.

أخيراً، من الضروري تعزيز شفافية البيانات في الشرق الأوسط. فغياب البيانات الدقيقة وانعدام الشفافية في مايتعلق بالمداخيل والثروات يطرحان مشكلة حادّة جداً في المنطقة. يحول هذا النقص في المعلومات الأساسية عن مستويات اللامساواة ونزعاتها الفعلية دون انطلاق نقاش عام حول المسألة، وكذلك دون صياغة سياسات للحد من عدم المساواة. والحال هو أن القدرة على قياس عدم المساواة تقترن اقتراناً وثيقاً بقدرات الدولة والإمكانات المالية. ونوعية البيانات – التي تُقاس بواسطة مؤشر الشفافية في مجال اللامساواة المتوافر عبر قاعدة البيانات العالمية الخاصة باللامساواة – مرتبطة إيجاباً بالإيرادات الضريبية التي تُعتبَر معياراً مشتركاً لقياس قدرات الدولة (انظر الشكل 2). وتشغل بلدان الشرق الأوسط مراتب متدنّية جداً في مؤشر الشفافية. وفيما خلا لبنان، يتعذّر راهناً الحصول على تقديرات موثوقة عن توزيع المداخيل والثروات في مختلف بلدان المنطقة.

على سبيل المثال، لاتغطّي البيانات المتوافرة جزءاً كبيراً من الدخل القومي في بلدان الخليج. ولامعلومات أيضاً عن أنواع المداخيل التي يحصل عليها المواطنون أو المقيمون الأجانب وأحجامها، مع الإشارة إلى أن المقيمين الأجانب هم في معظمهم عمّال مهاجرون يتقاضون أجوراً متدنّية ويعيشون في أغلب الأحيان في ظروف شديدة الصعوبة، وقد دخلوا البلاد بموجب نظام الكفالة الاستغلالي الذي يفرض رقابة عليهم ويتحكّم بهم. وبحسب الحجم الفعلي للمداخيل غير المسجّلة التي يحصل عليها المواطنون فقط، قد تختلف الإحصاءات المتعلقة باللامساواة اختلافاً شديداً. وإذا وُضِعت افتراضات موثوقة عن حصّة المواطنين من مجموع الدخل القومي، فإن الحصة العائدة في مجموع الدخل القومي إلى نسبة العشرة في المئة الأكثر ثراء في بلدان الخليج تختلف اختلافاً كبيراً (انظر الشكل 3). فإذا كانت حصة المواطنين تتراوح من 70 إلى 90 في المئة، تحصل نسبة العشرة في المئة الأكثر ثراء على 65 إلى 85 في المئة من مجموع الدخل القومي. وقد تحصل نسبة العشرة في المئة الأكثر ثراء على نسبة تصل إلى 90 في المئة من مجموع الدخل القومي في حالة قطر التي تضم العدد الأكبر من العمّال الأجانب. وعلى المستوى الإقليمي الأوسع، تحصل نسبة العشرة في المئة في أعلى الهرم على 70 في المئة من مجموع الدخل. وتُقدَّر مستويات اللامساواة أيضاً بأقل من حجمها الصحيح في البلدان التي تضم عدداً كبيراً من العمّال الأجانب الخاضعين لنظام الكفالة أو البلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين.

يجب بذل جهود أكبر بكثير لفهم مستويات اللامساواة ونزعاتها وسبل معالجتها، ولاسيما في الشرق الأوسط. بإمكان دول المنطقة أن تبدأ بتأمين الوصول إلى البيانات الجزئية، وتقديم معلومات عن المداخيل على مستوى الأفراد أو الأسر، وبيانات عن الضريبة على الدخل، أقله في شكل جداول عن ضريبة الدخل. ونظُم الحسابات القومية هي ذات نوعية سيئة، وليست على قدرٍ كافٍ من التفصيل بما يتيح للباحثين تتبّع المداخيل على نحوٍ صحيح. وفي الآونة الأخيرة، أقام منتدى البحوث الاقتصادية، وهو منظمة بحثية إقليمية تعنى بتعزيز الأبحاث الاقتصادية في الشرق الأوسط، شراكة مع العديد من المؤسسات الإحصائية الإقليمية لجمع البيانات المسحية الجزئية عبر الإنترنت ومواءمتها وتشارُكها. ومنصة "البيانات الجزئية المتاحة للجميع" (Open Access Micro Data) التابعة للمنتدى هي مبادرة ذات فائدة عالية وخطوة أولى مهمة، إنما يجب بذل جهود أكبر بكثير. فعلى سبيل المثال، يتعذر في الشرق الأوسط إجراء نقاش بشأن فرض ضريبة على الثروة، على غرار النقاش الدائر حالياً في الولايات المتحدة، فالبيانات لاتتيح للمحللين تتبّع المداخيل وملكية الثروات على نحوٍ صحيح أو إجراء محاكاة دقيقة لتأثيرات الإصلاحات المحتملة.

قد تكون الإصلاحات المطلوبة معروفة جيداً، ولكن تطبيقها سيكون صعباً لسببَين أساسيين. أولاً، ليست للنخب السياسية، ولاسيما في الشرق الأوسط، أي حوافز تدفعها إلى تطبيق إصلاحات للحد من اللامساواة، فهذه النخب هي المستفيدة الأساسية من أوجه التفاوت الشديد. وتتيح النظم القائمة على اللامساواة للنخب السياسية والاجتماعية تعطيل الخطوات التي قد تؤدّي إلى تقويض مصالحها. ففي مختلف أنحاء المنطقة، الأكثر ثراءً هم عادةً أشخاص ينتمون إلى الطبقة السياسية أو يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالنخب الحاكمة. ويمنحهم ذلك أفضلية حاسمة في صياغة السياسات. ثانياً، حتى لو أرادت النخب تطبيق إصلاحات، غالب الظن أن الفساد المستشري سوف يحول دون تحقيق هذا التطلع. ولذلك، تقتضي معالجة اللامساواة التفكير في هوية الجهات التي يمكن أن تعمل من أجل التغيير، وفي كيفية التخلّص من الشعور بالحتمية الذي يرافق أي اندفاعة للإصلاح ويتسبب بتعطيلها. ولن يكون من السهل معالجة هذه المشكلات التي تطال المنظومة برمتها.

خلاصة

تُشير الاحتجاجات التي شهدتها بلدان عدة منذ العام 2018 إلى أن الاستياء يتوغّل عميقاً جداً في عدد كبير من مجتمعات الشرق الأوسط. لكن النخب السياسية لم تُظهر قدرة على، ولارغبة في معالجة المشكلات الاجتماعية. على النقيض، وفي إطار السعي إلى الإبقاء على الوضع القائم، تسبّبت النخب السياسية بدءاً من السودان مروراً بلبنان والعراق ووصولاً إلى الجزائر، بردود فعل مناوئة شديدة، مايؤدّي إلى تقويض السلم الاجتماعي. وفي مرحلة معيّنة، قد يولّد هذا الانهيار في التماسك الاجتماعي مشكلات طويلة الأمد للبلدان المعنية، ماينتج عنه شرخٌ لاعودة عنه بين الحكّام والمحكومين. ولن يُفضي هذا الوضع إلى تفاقم اللااستقرار السياسي والاجتماعي السائد وحسب، بل قد يؤدّي أيضاً إلى العنف – الذي يُنظَر إليه عن حق أو عن خطأ بأنه طريقة لفرض التغيير. لاغلوّ في التشديد على مخاطر هذا الوضع، ولاسيما في منطقةٍ تشهد موجات من الاضطرابات المتصاعدة.

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya

 الثلاثاء 12 أيار 2020 - 11:16 ص

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-… تتمة »

عدد الزيارات: 39,772,725

عدد الزوار: 1,093,843

المتواجدون الآن: 28