الإمامة بين ولاية الفقية وولاية الأمة على نفسها..!-2-3....

تاريخ الإضافة الثلاثاء 26 كانون الثاني 2021 - 5:58 م    عدد الزيارات 323    التعليقات 0

        

وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الإمامة بين ولاية الفقية وولاية الأمة على نفسها (1)

وجيه قانصو في 11 يناير، 2021 ...

جنوبية....يخص المفكر والباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

الاختلاف بين فكرة ولاية الفقيه التي اعتمدها السيد الخميني أساساً لثورته وركيزة للنظام السياسي القائم في إيران من جهة، وبين فكرة ولاية الأمة على نفسها التي اعتمدها الشيخ محمد مهدي شمس الدين بصفتها قاعدة لانتظام عموم المسلمين وخصوص الشيعة من جهة أخرى، هذا الاختلاف لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الاجتهاد الفقهي أو اختلاف في تقديم دليل على آخر أو ترجيح دلالة على أخرى، بقدر ما نجده اختلافاً يصل في عمقه إلى مفهوم الإمامة نفسه المعتمد عند الشيعة الإمامية، إن لجهة ماهيتها أو تعيين حدودها وتشخيص مهامها. فالاجتهاد ليس مجرد عملية آلية في استنباط حكم من نص ديني أو دليل شرعي، بل هو عملية ذهنية تقوم على افتراضات مسبقة ومسلمات ثابتة يستند إليها الفقيه في استدلالاته. كما إن النصوص الدينية لا تتكلم لوحدها ولا تكشف عن معانيها بنحو الإظهار اللفظي أو اللغوي المباشر، بل القارىء، فقيهاً كان أم مفسراً أم كلامياً، هو الذي يُظهر معاني النصوص الدينية ودلالاتها بعد ممارسة نشاط عقلي واجتهادي داخل النصوص استناداً إلى أدوات معتمدة سلفاً وثوابت مسبقة. يتأكد هذا حين تتم صياغة مفهوم ديني يتولد من تركيب وضم عدة أدلة (نصوص) بعضها إلى بعض، مثل مفهومي ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها، اللذان لا يُعتبرا حكماً دينياً أو تكليفاً شرعياً يتعلق بالسلوك بنحو مباشر، بل هما مفهومان عامان تتأسس عليهما أصول ومباديء الانتظام السياسي والديني للمجتمعات المسلمة. ما يجعلهما إطارين كليين متباينين لتفاصيل الحياة العامة والخاصة، الدينية والدنيوية، الفردية والجماعية، الشريعية والتنفيذية. بالتالي يرتقيا ليكونا المبدأ الكلي الذي يلي مسلمات الاعتقاد الديني، للإجابة عن السؤال الوجودي الكبير الذي بموجبه تتحدد وتتأطر أنماط عيش المسلمين (الشيعة) ووعيهم وتضامناتهم: كيف ينظم المسلمون (الشيعة على وجه الخصوص) أنفسهم؟ وما هي قواعد ومسلمات المشروعية السياسية؟ وكيف ينتظم الشيعة في الزمن الذي يغيب فيه الإمام غيبة غير معلومة الأمد والطبيعة؟ هنالك تباين بيِّن بين مفهومي ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها، لا في طريق الاستدلال فحسب، بل في مفهوم الإمامة نفسه. فالفهم الأول، أي ولاية الفقيه، يرى أن ولاية الإمام “المعصوم” مطلقة لغرض تدبير شؤون الدين وتفسير نصوصه وبيان أحكامه وتنظيم جميع شؤون الحياة الإنسانية في ابعادها السياسية والاجتماعية والفكرية. فـ”كل ما يناط بالنبي فقد أناطه بالأئمة من بعدهم فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات وإليهم فوضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم”. هو شمول ينبع من شمول حاكمية الله في جميع شؤون البشر الدينية والدنيوية، وتتجلى في “الحكومة الإسلامية” التي هي “حكومة القانون الإلهي والحاكم هو الله وحده”.

ولاية الإمام ليست سلطة ملازمة لشخصه بقدر ما هي وصاية مطلقة يمتلكهما الإمام على الدين وعلى عموم الناس معاً

إطلاق سلطة الإمام “المعصوم”، سوغت له نقل صلاحياته ومهامه إلى من ينوب عنه. فسلطة الإمام ليست خاصية ماهوية أو جوهرية للإمامية يمتنع على الآخرين (غير الإمام “المعصوم”) حيازتها أو ممارستها. فولاية الإمام ليست سلطة ملازمة لشخصه وصفاته الذاتية التي لا تتوفر في أشخاص آخرين غيره، بقدر ما هي حق مطلق ووصاية مطلقة يمتلكهما الإمام على الدين وعلى عموم الناس معاً، تخوله صلاحية تفويض كامل سلطته المطلقة إلى الآخرين حتى لو لم يتمتعوا بالصفات والخصائص الذاتية المتوفرة في الإمام من عصمة وعلم لدني ونص عليه من الله أو النبي بإسمه وشخصه.

الاختلاف بين الخميني وشمس الدين يصل في عمقه إلى مفهوم الإمامة نفسه المعتمد عند الشيعة الإمامية

بذلك، لا تعود ممارسة السلطة السياسية مقتصرة على شخص الإمام، بقدر ما هي حق يحوزه الإمام ويملك صلاحية نقله إلى آخرين. فولاية الإمام ليست مجرد ممارسة سلطة وفق قواعد مشروعية دينية، بل هي أصل وأساس أية مشروعية داخل المجتمع، دينية كانت أم سياسية. والإمامة ليست سلطة تحتاج إلى شرعية، بل هي منبع الشرعية ومصدرها التي تقتضيها حاكمية الله وتحتاج إليها كل سلطة أمر لممارسة نفوذها ومهامها في المجتمع. هذا الفهم شكل الأرضية المسبقة التي تأسست عليها نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي أطلقها السيد الخميني، سوغ من خلالها صحة ممارسة الفقيه لنفس سلطة الإمام المطلقة في زمان حضور الإمام وفي زمان غيبته معاً. فلم تعد الشرعية السياسية من ملازمات شخص الإمام أو من متفرعات حكمه الموعود الذي “سيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا”. أي لم تعد العصمة من شروط مشروعية أي حكم سياسي، وهي الشرط الأساسي الذي أصر عليه الشيعة الإمامية الأوائل في مشروعية أي حكم سياسي بعد النبي. إذ يكفي أن يكون الحكم بشرياً وغير معصوم بشرط استناده إلى تفويض أو تنصيب أو تعيين من الإمام دل عليه دليل شرعي أو نص ديني، من قرآن أو قول للنبي أو أحد الأئمة “المعصومين”. وهو ما عمد الخميني إلى تأسيسه من خلال اعتماد أدلة دينية تحمل بنظره مؤونة دلالية قوية تؤهل أشخاصاً غير معصومين استلام مقاليد السلطة والحكم وتدبير أمور الدين نفسه، سواء في تنفيذ أحكامه أو حتى في تعديلها واستحداث أحكام جديدة.

الشيء الثابت في مفهوم ولاية الفقيه هو أن السلطة شأن تعبدي وحقيقة شرعية وليست حقيقة عقلية

الشيء الثابت في مفهوم ولاية الفقيه هو أن السلطة شأن تعبدي وحقيقة شرعية وليست حقيقة عقلية أو تاريخية أو مجتمعية. فالسلطة السياسية بنظر الخميني أمر جعلي يجعله الشارع (الله) وحده، أي ينشؤه ويقرر طبيعته وحدوده. لذلك لا يختلف جعل (إنشاء وتشريع) ولاية الفقيه بنظر الخميني عن جعل وصاية القاصر. فولاية الفقيه بحسب الخميني: “أمر اعتباري جعله الشرع كما يعتبر الشرع واحد منا قيماً على الصغار، فالقيم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية”.

يرتقي الخميني بولاية الفقيه لتقوم على حاكمية الله المتمثلة بحاكمية النبي وحاكمية الأئمة المطلقتين، الذين “فوضت إليهم الحكومة وولاية الناس وسياستهم”

بل يرتقي الخميني بولاية الفقيه وفق منطق وسياق استدلالاته لتكون من ملازمات الاعتقاد الديني الذي يقوم على حاكمية الله المتمثلة بحاكمية النبي وحاكمية الأئمة المطلقتين، الذين “فوضت إليهم الحكومة وولاية الناس وسياستهم”. فلا مجال وفق هذا الثابت للفصل: بين مجال ديني وبين مجال عام (Public Domain)، بين التكليف الديني أو الوظيفة الدينية الشرعية وبين النشاط السياسي، بين حق طبيعي تقتضيه الطبيعة الإنسانية وبين حق ينشؤه الدين ويعترف به. فالأساس هو استمرار سلطة النبي بشموليتها الكاملة وكثافتها القداسوية عبر من يمثلونه ويحلون محله من الأئمة “المعصومين”، ثم بانتقالها من هؤلاء الأئمة بتفويض منهم في حال غيبتهم مكانياً أو زمانياً إلى الفقيه الجامع للشرائط، بحيث تكون “قيمومة النبي والإمام من الناحية العملية لا تختلف عن قيمومة أي فقيه عالم عادل في زمن الغيبة”. وهي قيمومة تؤهل فقهاء اليوم أن يكونوا بحسب الخميني: “الحجة على الناس كما كان الرسول حجة الله عليهم”. بهذا يصبح مبدأ ولاية الفقيه عمدة ونقطة ارتكار أي نشاط أو موقف سياسي. فلا مكان للميل أو الرأي الشخصي، بل لا مكان للتنافس السياسي، أو لما يسمى بالرأي العام أو إجماع المسلمين أو حتى الشورى بينهم، بقدر ما تكون كل مسائل الحياة العامة ساحة تجسيد لحاكمية الله وترسيخ لمعتقد حاكمية الإمامة، ومنطقة ولاء (طاعة وانصياع) للتراتبية الهرمية التي يستلزمها مبدأ الولاية نفسه، بحيث يكون الخارج من مبدأ ولاية الفقيه خارجاً من مبدأ ومعتقد الإمامة نفسه.

الخميني يرى أن ولاية الفقيه ليست مجرد تكليف شرعي بل هي مسألة بديهية “لا تحتاج إلى برهان”

لهذا السبب وجدنا الخميني يرى أن ولاية الفقيه ليست مجرد تكليف شرعي فرعي يستنبط من أدلة شرعية مخصوصة من قرآن وسنة، بل هي مسألة بديهية “لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام أحكاماً وعقائد يرى بداهتها”. هذه البداهة بنظر الخميني مستمدة من حاكمية الله بضرورة تطبيق أحكامه وإقامة “النظام الإلهي” الذي يرتضيه، وتقوم على ملازمة عقلية وحتى شرعية بين ولاية الإمام “المعصوم” وولاية الفقيه، ترفع ولاية الفقيه من مستوى المسائل الفرعية المستنبطة بالدليل الشرعي الظني، إلى مستوى الاعتقاد الملازم لعقيدة الإمامة، إثباتا ونفياً، تكون فيها ولاية الفقيه عين الإمامة نفسها في زمن غيبة الإمام، مثلما تشير إليه رواية ابن حنظلة التي اعتمدها الخميني لإثبات ولاية الفقيه، بأن “الراد (الرافض والمعاند) عليهم (الفقهاء) راد علينا (الأئمة)، والراد علينا راد على الله”. فالإيمان والتقيد بولاية الفقيه بحكم بداهتها العقلية والشرعية، وفق سياق ومنطق استدلال الخميني، هي بنفس درجة الإيمان والتقيد بمبدأ الإمامة نفسه. طرح ولاية الفقيه، لا يختلف من حيث تأسيساته النظرية ومسلماته وبديهياته عن التأسيسات الأصولية التي اشتهرت بها التيارات الأصولية السنية، وفي مقدمها تنظيرات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، الذين أسسا أصل السلطة والحكم على مبدأ حاكمية الله حصراً ورفض اعتبارها شأناً بشرياً أو حقيقة اجتماعية أو ثمرة جهد وتفاعل إنساني. مع فارق بين الطرفين: بأن الحاكمية تتجلى في المجال السني بتطبيق تفاصيل الشريعة الإسلامية من دون اشتراط جهة مخصوصة تقوم بالمهمة، وتتجلى في المجال الشيعي بالإمامة التي يجسدها الولي الفقيه في زماننا. ما يجعل الحاكمية في المجال الشيعي تقوم على مركزية سلطة شديدة تتمحور حول الولي الفقيه الذي يعود إليه (وفق اجتهاده الخاص) تدبير شؤون الدين والدنيا معاً. الحاكمية السنية شريعة مسبقة تشرط أية سلطة سياسية، والحاكمية الشيعية سلطة فعلية مسبقة تشرط أي نشاط إنساني أو فعل سياسي. أما مفهوم الإمامة ومقتضاها وفق مبنى ولاية الأمة على نفسها، فهذا ما سنناقشه في المقالة القادمة.

 

وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الإمامة بين ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها (2)

وجيه قانصو في 18 يناير، 2021

جنوبية....يخص المفكر والباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.

لم يقدم الشيخ شمس الدين أطروحة ولاية الأمة على نفسها من باب فقهي خالص، أي تقرير مؤديات الأدلة الدينية بذاتها، بل قاربها بما تحمل دلالة لزماننا الذي نعيش فيه. فكما أنّ النصوص لا تتكلم لوحدها بل القراء (فقهاء ومفسرون) يجعلوها تنطق، فإن أية قراءة لنص أو دليل شرعي لا تحصل إلا في الزمن الذي تحصل فيه عملية القراءة أو الاجتهاد. وهو ما يسمى بالأفق التاريخي للمجتهد أو الفقيه أثناء عملية اجتهاده واستنباطه للأحكام وصياغته للمفاهيم من الادلة الدينية المقررة.

أراد الشيخ شمس الدين أن يفك الإشتباك حول مفهوم الإمامة بين الشيعة والسنة بعد أن وصل إلى ذروة تأزمه، وبات في التاريخ موضوع اتهام واتهام مضاد بينهما، وأحيانا تكفير وتكفير مضاد. وأراد رفع الحرج الذي عاشه الشيعة جراء اعتقادهم بأن الإمامة، بصفتها قيادة سياسية منصوص عليها من النبي هي ضمانة لهداية الأمة وعدم ضلالها، فإذا بهذا الإعتقاد يتخذ صفة افتراضية غير فعلية في التاريخ، نتيجة إقصاء جميع الأئمة عن موقع القيادة السياسية.

أراد الشيخ شمس الدين أن يفك الإشتباك حول مفهوم الإمامة بين الشيعة والسنة بعد أن وصل إلى ذروة تأزمه

وإذا بطرق الاتصال بالإمام تصبح ممتنعة بعد “غيبة” له مجهولة الطبيعة والأمد. وهي غيبة وضعت الشيعة في حالة حيرة وارتباك كبيرين في التعامل مع القضايا الوجودية الكبرى وفي مقدمها مسألة السلطة والدولة والشأن العام، بعدما رسخ الاعتقاد لديهم أنّ السلطة المشروعة من مختصات الإمام، وأن التصدي لها أو ممارستها هو اغتصاب وتعدّ على حقه. ما يجعل غيبة الإمام بمثابة إرجاء لأي عمل سياسي مشروع، يسوّغ بل يلزم العيش خارج الدولة أو على هامشها.

بين الامامة والخلافة

كانت نقطة الإنطلاق الأولى لدى الشيخ شمس الدين هي تحديد مساحة الإمامة “المعصومة” التي اعتبرها إمامة دينية خالصة قوامها “التبليغ والتفسير وحراسة الإسلام وشرحه”، من دون أن تمتد لزاماً إلى مجال التدبير السياسي الذي لا يدخل في قوام أو ماهية الإمامة وجوهرها. فــ “الجانب السلطوي التنظيمي السياسي مهمة ثانوية للإمام المعصوم لأنه مضمون ثانوي وفرعي للإمامة المعصومة”. بعبارة أخرى، فإن “الإمامة المعصومة تتعلق بالأمة المسلمة من حيث كونها أمة مسلمة تعتقد وتلتزم بالإسلام عقيدة وشريعة وتقيم حياتها عليه ولا تتعلق بالمسلمين من حيث كونهم مجتمعا سياسياً أو مجتمعات سياسية”. فالمهمة السياسية للإمامة هي بالنسبة للشيخ شمس الدين “عرضية لا جوهرية لها”.

الجانب السلطوي التنظيمي السياسي مهمة ثانوية للإمام المعصوم لأنه مضمون ثانوي وفرعي للإمامة المعصومة

فصل المجال السياسي عن مهمة الإمامة ووظائفها، الذي قد يوكل إلى الإمام في فترة تاريخية خاصة، لكن لا من جهة أنها من مختصاته أو مهامه كإمام، هذا الفصل مكَّن شمس الدين من جعل الإمامة مفهوماً مغايراً بالكامل لمفهوم الخلافة الذي هو منصب “دنيوي تنفيذي يقتضيه ويفرضه المجتمع السياسي بسبب ما له من ضرورات العيش والتماسك والاستمرار ولا علاقة له بالأمة (بما هي ذات معتقدات دينية)، ولا علاقة له “بمهمة التشريع والحفظ والتفسير والشرح”. المغايرة بين الإمامة والخلافة، جعل حقيقة وماهية ومفهوم كل منهما مختلفين، ما يعني أن “موضوع استدلال كل فريق (السنّة والشيعة) يختلف في الجوهر والماهية عن موضوع استدلال الآخر”، وأن “مورد النزاع بينهما ليس واحداً”.

فكّ الاشتباك السني الشيعي

التمييز الواضح والجلي بين المجال الديني والمجال السياسي، واعتبار الإمامة وظيفة تتعلق بالأمة الإسلامية بصفتها رابط ديني متقوم بمعتقدات وشعائر وواجبات دينية، ولا تتعلق بالمسلمين بصفتهم مجتمعاً وأفراد ينظمون علاقاتهم ويدبرون شؤونهم. هو تمييز يجعل الإمامة بأدلتها ووظائفها وماهيتها ذات وظيفة وحقيقة دينية، أي مهمة تتعلق بالثوابت والمتعاليات التي تستمر في كل زمان ومكان مهما كانت المتغيرات، تختلف اختلافاً جذريا عن الخلافة الإسلامية التي هي مهمة سياسية غير دينية، أي هي شكل تاريخي ومتغير ولا يشترط اعتباره موقعاً دينياً أو مختصاً بفرد أو عائلة أو جهة. هو تمييز كان غرضه فك الاشتباك التاريخي بين السنة والشيعة حول مسألة الخلافة، وتسهيل إيجاد أرضية سياسية واجتماعية مشتركة بين الطرفين، يمكن على أساسها بناء مجتمع موحد ونظم سياسية موحدة، ولا يكون الجانب الديني أو الاعتقادي عائقاً في ذلك، طالما أن المسألة السياسية ليست من خطط الإسلام أو الدين، بمعنى أنها ليست حقيقة دينية بل حقيقة تدبيرية تقررها اعتبارات المصلحة والخبرة. بل إن الفصل بين المجال الديني الذي تكون الإمامة وصية عليه بحسب شمس الدين، وبين المجال السياسي الذي هو منطقة غير دينية ومتروكة للتدبير والابتكار البشريين، هذا الفصل يجعل الولاء الديني شيء والولاء السياسي شيئاً آخر، ويخلق رحابة أمام الشيعة في التأقلم والتكيف والانتماء وحرية الولاء لأي نظام سياسي أو أية دولة مهما كانت تنوعاتها الثقافية وطبيعة نظمها السياسية، من دون أن يكون ذلك مناقضاً لإيمانهم ومعتقدهم. نتيجة لذلك، يرى شمس الدين أنه لا يعود “للشيعة مشروع سياسي فعلي لتولي الحكم (في عصر الغيبة)، ولا يطرحون المشروع السياسي للإمامة المعصومة لأنه مشروع مستقبلي مرهون بإرادة الله تعالى”.

لا يعود للشيعة مشروع سياسي فعلي لتولي الحكم (في الغيبة) ولا يطرحون المشروع السياسي للإمامة المعصومة

أي إن تحقق الإمامة بصورتها المثالية في المجال السياسي، أو إقامة الدولة بنحو مطابق لقيم وخلقيات الإسلام، يصبح أمراً غيبياً وفوق بشري، ولا يتحقق بالوسائل الطبيعية وعبر بشر عاديين، بل يتحقق بمعجزة ربانية متمثلة بعودة الإمام “المعصوم الغائب” نفسه. وهو تصور يشبه كثيراً يأس ابن خلدون من إعادة إحياء الخلافة الأولى (خلافة الخلفاء الراشدين) بوسائل اعتيادية وبشرية، بل لا بد من معجزة ربانية لتحقيق ذلك.

الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي

الفصل الذي اقترحه شمس الدين بين المجال الديني والمجال السياسي، يشبه إلى حد بعيد الفصل الجازم الذي أجراه الشيخ علي عبد الرازق (صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم) بين الخلافة والإسلام. حيث اعتبر الخلافة مجرد سلطة تاريخية “ليست من خطط الإسلام في شيء”، وسقوطها كان بمثابة موت طبيعي لها. هو فصل حسم التفكيك بين الإنتماء السياسي والإنتماء الديني، حيث لا يشترط قيام الإنتماء السياسي على قاعدة دينية أو تعبدية أو حتى اعتقادية، بل هو أمر إنساني تدبيري ذي طبيعة تاريخية.

لا ولاية لاحد على جماعة أو مجتمع ولا ولاية لجماعة أو مجتمع على أحد

بيد أن شمس الدين يخطو خطوة إضافية على مقترح علي عبد الرازق، حين يؤسس أصلاً أولياً لأي انتظام سياسي. إذ اعتبر أن المجال السياسي منطقة فراغ ديني، أي منطقة لا يوجد فيها محددات وقيود دينية، وليست مجالاً يمتد إليها الاعتقاد. فلا الإمامة بمعناها الشيعي تمتد إليها، ولا الشريعة بكل مندرجاتها تحكم حركتها. بل هي بحسب شمس الدين منطقة فراغ تشريعي، جعلت الإنسان وصيّاً على نفسه. يقول شمس الدين: “الأصل الأولي، العقلي والنقلي، هو عدم مشروعية سلطة أحد على أحد… فلا ولاية لاحد على جماعة أو مجتمع ولا ولاية لجماعة أو مجتمع على أحد. فالأمة تشرع لنفسها في مناطق الفراغ التشريعي المحكومة بهذا الأصل.. أي تشرّع لنفسها في كل مجال تحتاجه تنظيمياً وإدارياً على ضوء الأصل الأولي”.

ولاية الفرد على نفسه

وهكذا، فإن أمر الأمة بحسب شمس الدين قد أوكل إليها “في ظل الغيبة”. فلا تعود ولاية الأمة ملكا لأحد لا لفقيه أو لمجموعة فقهاء، بل الأمة هي ولية نفسها وهي في نطاق الكليات الشرعية في فقه المجتمع والدولة التي توفرها عمومات الأدلة الشرعية تتولى أمر نفسها وفقا لمبدأ الشورى. كما إن الأحكام اللازمة لتنظيم العلاقات الاجتماعية المختلفة، كالاقتصادية منها والسياسية والخارجية، إنما هي “أحكام متغيّرة وزمانيّة، ويأفل زمانها مع انتهاء المصلحة الاجتماعية الداعية إلى اعتمادها”. بعبارةٍ أخرى “تُعد هذه الأحكام وليدة ارادة المجتمع في تنظيم شؤونه، وأنها ليست أحكاماً شرعية، وتُسمّى في الفقه بالتبريرات: وهي، وإنْ ذُكِـرَت في الفقه، ليست من الأحكام الثابتة والشرعية”.

أمر الأمة بحسب شمس الدين قد أوكل إليها “في ظل الغيبة”

أي ليست أحكاماً دينية بقدر ما هي أحكام تدبيرية لا يقررها الفقيه بل المجتمع في مجرى خبراته وضرورات حياته. ولاية الأمة على نفسها، لا تعني هنا أن الأمة عبارة عن كتلة جوهرانية ذات إرادة واحدة بسيطة وصلبة تذوب بداخلها إرادة الأفراد، تكون فيها الأمة بمثابة وصي على حياة الأفراد ومصالحهم يتجاهل ميولهم ورغباتهم . بل المقصود هنا أن ولاية الأمة على نفسها تعني بالدرجة الأولى ولاية الفرد على نفسه، بمعنى أنه صانع مصيره، وأن ولاية الأمة تتشكل وتكتمل بفعل ضم وتركيب بين الإرادات الفردية. فولاية الأمة ليست ولاية جماعاتية أو جماهيرية أو عصبوية أو عقائدية، بل ولاية تركيبية تتحصل من توافق الإرادات الفردية واجتماع الافراد الحر والاختياري، بحيث تكون الولاية الفردية، أي ولاية الفرد على نفسه، هي المنتجة والصانعة للولاية العامة. فالولاية الاصلية هنا هي ولاية الإنسان على نفسه، أما ولاية الأمة فهي ولاية اصطناعية، أي نتاج بشري تحصل من توافق واجتماع إرادات متعددة، بنحو طوعي وحر ومتساو بينها لإنشاء مجالها العام وتنظيم الأمور المتعلقة بالمشترك بين الأفراد وبما يتعدى خصوص مصالحهم واهتماماتهم. ولهذا أكد شمس الدين أن الولاية تتحقق عبر الشورى، وعبر الإنتخاب والوسائل الديمقراطية، ما يؤكد أن أصل الولاية هي الولاية الفردية التي ينشأ منها ولاية عامة للأمة.

الولاية الفردية الشخصية أصل لا يمكن انتزاعه من أحد والولاية العامة نتيجة وثمرة اجتماع بين مجمل الولايات الشخصية

فالولاية الفردية الشخصية أصل لا يمكن انتزاعه من أحد، والولاية العامة نتيجة وثمرة اجتماع وتعاقد بين مجمل الولايات الشخصية.هل الفصل الذي أجراه شمس الدين يقترب من الفصل الذي أحدثه توما الأكويني في التمييز بين الوحي والقانون الطبيعي بصفتهما مجالي وجود مستقلين ولهما سيادة منفصلة ومتميزة عن الآخر. الأقرب نعم، على الرغم من أن شمس الدين لم يُفصِّل مبناه السياسي بما فيه الكفاية، لأنه كان يعالجه من منظور فقهي – كلامي لا من زاوية فلسفية خالصة أو منطلق تنظير سياسي خالص.

تأصيل شرعي وكلامي

فالبحث الولايتي عند شمس الدين كان غرضه تأسيس أصل شرعي – ديني وكلامي لكل من المجالين: الديني والسياسي.

توما الأكويني بين الوحي والقانون الطبيعي

فتوما ذهب إلى أن شؤون الخلاص من مختصات الوحي، وأن السياسة والتدبير الاجتماعي والحياتي من متفرعات القانون الطبيعي الذي خلقه الله ولا يدرك إلا بالعقل، ما يجعل القانون الناظم للمجتمع من متفرعات العقل لا الشريعة الدينية. هذا المبنى أدى بتوما إلى التمييز الشهير الذي أجراه بين إنسان الكنيسة وإنسان المدينة، أو إذا شئت التمييز بين “الإنسان-الحيوان الاجتماعي” بتعبير أرسطو، بصفته عضواً في المدينة من جهة وبين “الإنسان-المؤمن” الذي هو عضو في المسيحية. فالعضو في المدينة بالنسبة لتوما هو شخصٌ سياسي، لأنَّه يتوحّد مع هيئة طبيعية ويتمايز من حيث الانتماء عن الهيئة المتقشِّفة الّتي تشكّلها الكنيسة. ولأن السِّياسي موجود بذاته ومتطابقٌ مع نظام وتخطيط إلهيّين، فهو لا يُنظَّم من قبل اللَّه، بل يخضع لقوانين الطَّبيعة، الّتي تتحصّل للإنسان بواسطة العقل.

الإيمان يقوم على قاعدة دينية مصدرها الوحي، والسياسة تقوم تدبيرهما على قاعدة عقلية

الأمر نفسه نجده عند شمس الدين. حيث إن التمييز بين التشريع الديني والتقنين السياسي والتمييز بين الاعتقاد الديني والانتظام الحياتي العام، يستلزم القول بأن الإيمان يقوم على قاعدة دينية مصدرها الوحي. وأن السياسة وشتى أشكال الإنتظام العام تقوم تدبيرهما على قاعدة عقلية، لجهة أن الوحي أخلى نفسه من هذه المنطقة وجعلها منطقة فراغ ديني ترك أمر تدبيرها إلى البشر. نعم يمكن القول أن الفارق بين توما وشمس الدين، هو أن توما اعتبر التمييز قائم في تكوين الإنسان نفسه، أي وجود جانبين في الإنسان: جانب ديني يستجيب للوحي وجانب مدني يستجيب لمقتضيات طبيعته كحيوان اجتماعي وإنسان عاقل. في حين اعتبر شمس الدين أن التمييز ليس في الطبيعة الإنسانية نفسها بل في الفراغ المتعمد والمقصود من الوحي (أي من الله)، بأن ألقى الله على الإنسان مسؤولية تدبير نفسه في المجال الاجتماعي والسياسي من دون الرجوع إلى الوحي. فالإختلاف بين الإثنين يعود إلى أن التمييز عند توما يعود إلى الطبع البشري القائم على ثنائية الطبيعة: المدنية والدينية، في حين يعود التمييز عند شمس الدين إلى جعل وتقدير إلهيين، بتفريغ وتخلية مقصودين من الله لولايته الشاملة في منطقة التدبير السياسي، وإلقاء مسؤوليتها على الإنسان بأن يتحمل مسؤولية إدارتها ويكون مؤهلاً ومخولاً من الله بصناعة مصيره. وهو فهم ينسجم مع مفهوم خلافة الله للإنسان في الإسلام: وفق الآية: “إني جاعل في الأرض خليفة”.

السياسة بين معايير الايمان والجدار

مع شمس الدين صار بالإمكان التعامل مع السياسة لا بصفتها حقيقة محكومة لمعايير وقيم من خارجها، بل بصفتها موضوعاً مستقلاً للتفكر، وحقيقة قائمة بذاتها تنتج معاييرها وقيمها بنفسها، أي محكومة لمعايير الجدارة والبقاء والابتكار لا معايير التقى والإيمان.

مع شمس الدين صار بالإمكان الحديث، براحة ضمير واطمئنان إيمان، عن علمانية رحبة داخل الإسلام مع شمس الدين صار بالإمكان الحديث، براحة ضمير واطمئنان إيمان، عن علمانية رحبة داخل الإسلام، لا تقصي الدين من الحياة، بقدر ما تظهر مساحة الحرية الواسعة التي منحها الدين للإنسان في تدبير شؤونه وصناعة مصيره بمسؤولية. أما مؤدى ودلائل كل من ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها في زماننا الراهن وشروط حياتنا الراهنة، فهو ما سنعالجه في المقالة القادمة.

 

 

وجيه انصو يكتب لـ«جنوبية»: الإمامة بين ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها (٣/٣)

جنوبية.....وجيه قانصو في 26 يناير، 2021 .....

يخص المفكر والباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.

تبين من المقالتين السابقتين أن الاختلاف بين ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها، لم يكن مجرد اختلاف في الاجتهاد الفقهي، بتقديم دليل على آخر أو ترجيح دلالة على أخرى، بل اختلاف في فهم حقيقة الإمامة نفسها، وبناء تصور لطبيعة حضورها وتمثلها في زماننا المعاصر، خصوصاً فيما يتعلق بمسائل: الإنتماء والهوية، التعامل مع خصوص البيئة المحيطة، الولاء للدولة القائمة، شرعية العمل السياسي العام. ما يجعل مفهوم الإمامة يقترب في أهميته من الأصول العامة للدين، لما يترتب عليه من أثار مصيرية في حياة مؤمني الشيعة.

لماذا ولاية الفقيه في موقع الضد لسيادة الدولة والنافي لها، أي ولاية اللادولة

تقديس حدّ التأليه

الملازمة المنطقية والدينية التي أسسها مفهوم ولاية الفقيه بين هذه الولاية كسلطة مطلقة من جهة وولاية الإمام “المعصوم” التي تجمع بين الإمامة الدينية والإمامة السياسية من جهة أخرى، حرك الجدل التاريخي بين السنّة والشيعة حول مسار السلطة وشرعيتها في التاريخ الإسلامي، بخاصة شرعية الخلافة الأولى، وخلق توتراً في تفسير وفهم أحداث التاريخ، لا من منظور أكاديمي أو نقدي، وإنما من منظور كلامي خالص. بحكم أن شرعية سلطة ولاية الفقيه القائمة مرهونة بإثبات تأويل وتفسير إمامي خاصّين للتاريخ والنصوص الدينية ولحقيقة الإمامة.

بتنا نشهد مظاهر غلوّ غير مسبوقة في تقديس الرموز الولائية المعاصرة، تصل في بعض صورها حدّ التأليه

لهذا بادرت سلطة ولاية الفقيه بعد الثورة الإيرانية إلى ضخ كم هائل من الأدبيات المذهبية التي تنعش الجدل الكلامي حول الأحقية المذهبية، وإلى المغالاة في مفهوم الإمامة بنحو غير مسبوق في السلوك الشيعي نفسه. لا لغرض إضفاء الشرعية المطلقة على سلطة الولي الفقيه فحسب، بل للإرتقاء بها لتصبح منصباً عقائدياً تحصر الشرعية السياسية بها، وتتعالى بها لإسباغ القداسة لا على وظيفتها ومهمتها فحسب، بل على من يبادر إليها ويمارسها. فبتنا نشهد مظاهر غلوّ غير مسبوقة في تقديس الرموز الولائية المعاصرة، تصل في بعض صورها حدّ التأليه.

الفصل بين مفهوم الإمامة والسلطة

أما مشروع ولاية الأمة على نفسها الذي اقترحه الشيخ شمس الدين، فقد انطلق من الفصل بين مفهوم الإمامة والسلطة السياسية، حيث لم تعد السياسة من مقومات الإمامة الجوهرية أو مهامها التاريخية، وأصبحت الإمامة مقتصرة في جوهر مهمتها على التشريع والتفسير والشرح الديني. هذا الأمر حرّر التاريخ نفسه من الإسقاطات المذهبية، ولم تعد أية شرعية سياسية حالية بحاجة إلى تعميم وفرض تأويل خاص للتاريخ لم يكن يوماً محل توافق بين المسلمين. بذلك باتت السلطة قديماً وحديثاً حقل اختبار وتجارب بشرية وحقيقة تاريخية، لا فكرة عقائدية أو حقاً شخصياً يُمتلك أو يُنتهك. وصار التاريخ الإسلامي ساحة مفتوحة لقراءة الأحداث وفهمها، لا حقل تجاذبات عقائدية وإسقاطات مذهبية أو منطقة يقين وتوظيفات أيديولوجية. أي صار مجال نظر واعتبار، لا مصدر إثبات ونفي، برهان وإبطال، إدانة أو محاكمة، أو ساحة صراع بين حق وباطل، بل تجربة اختبار مشتركة لجميع المسلمين.

مشروع ولاية الأمة على نفسها انطلق من الفصل بين مفهوم الإمامة والسلطة السياسية

الدولة والسيادة .. والولاية

تقوم ولاية الفقيه على تراتبية أمر صارمة، تجعل المجال السياسي بأسره مجالا دينياً يندرج ضمن مجال حاكمية الله التي أوكل إلى الفقيه في زماننا إقامتها بالنيابة عن الإمام “المعصوم” وبتفويض كامل منه. العمل السياسي فيه تكليف وأمر، ولا يأخذ مشروعيته إلا بإذن أو رخصة من الفقيه. هو فعل تعبدي لا يختلف عن التكاليف الدينية نفسها، ويحتاج العمل فيه إلى إبراء ذمة دينية لا يمتلك حق إصدارها في زماننا إلا الولي الفقيه. هذا الأمر جعل سلطة الفقيه تعلو سيادة الدولة، فلا تعود الدولة مرجع الأمر النهائي ولا تكون ذروة الشرعية التي لا يعلو فوقها أية شرعية، بل تفقد حق القول الأخير، واحتكار الإكراه المشروع، ما يقوض أهم أساس في حقيقتها. فالسيادة ليست شيئاً يضاف إلى الدولة بل هي جوهر حقيقتها ومعناها وأساس وجودها، وحين تظهر سيادة تعلوها أو تنافسها، لا يعود أمامنا دولة منتقصة السيادة، بل دولة مقوّضة. ما يجعل ولاية الفقيه في موقع الضد لسيادة الدولة والنافي لها، أي ولاية اللادولة.

ولاية الفقيه تجعل المجال السياسي مجالا دينياً ضمن مجال حاكمية الله التي أوكل إلى الفقيه إقامتها بالنيابة عن الإمام “المعصوم”

هذه المشكلة لا تحل بالقول أن الولي الفقيه يأذن لأتباعه بالاندماج داخل مجالهم الخاص ولا يتدخل بشؤون بلدانهم، إذ طالما أن ولاية الفقيه بحسب المؤمنين به، ووفق مقتضاها النظري والعملي، هي مصدر مشروعية أية دولة، وهي سلطة تعلو سيادة كل الدول، فإنها بذلك تكون عقيدة ولاية مقوّضة لمفهوم الدولة حتى لو كانت عقيدة صامتة. لأنها بصورتها الصامتة، وهي لم تكن كذلك في أي وقت من الأوقات ، أو بصورتها الفاعلة، ترى نفسها صاحبة حق سيادي أعلى من الدولة تملك حق منح الدولة شرعيتها أو سلبها عنها، وحق الإعتراف بسيادة الدولة وحق إسقاطها. ما يولد ثنائية ولاء متناقضة بين دولة زمنية من طبيعتها وجوهرها أن تكون مصدر الشرعية الأعلى والسيادة القصوى، وبين ولاية ديينة ذات أصل “إلهي” وهبت صاحبها أعلى مرجعية أمر ممكنة أو متخيلة.

بين الايمان الديني والانتماء الوطني

هي وضعية خلقت جمعاً بين نقائض تمثلت: بتعارضٍ مُربك وحتى صادم ومؤلم بين الايمان الديني والإنتماء الوطني، تداخلٍ واشتباكٍ بين ولاية دولة وأيديولوجية ولايتية لا تفوت فرصة التأكيد على أن مرجعيتها وسلطة أمرها وتمدد نفوذها هي بلا قيود ولا حدود، تنافٍ بين خصوصية تفرض تفاعلاً واندماجاً داخل البيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة، وبين موجبات اعتقادية وأيديولوجية تفرضها ولاية الفقيه تنت بالتمايز والعزلة ورسم الفواصل عن المكونات والبيئة المحيطة. بذلك لا يعود العمل السياسي داخل الأوطان وسيلة لممارسة حق المواطنة أو تعزيز قدرات الدولة والمجتمع، بل فعل سلطة وآلة سيطرة وبسط يد، للإمساك بمقدرات البلد المحلي، وتجييرها بالكامل لصالح استراتيجيات الولاية وشبكة المصالح التي تنشؤها. هذا يفسر إصرار كل المنضوين في خط ولاية الفقيه على مسلك التسلح الفائض، والترويج المتعمد لضعف الدولة المحلية وعجزها عن حماية مكونها الشيعي أو ممارسة غبن في حقه، والتأكيد المتكرر على حصر الولاء بالفقيه وعدم الانصياع لموجبات السيادة المحلية، وإلى تعمية مفهوم الدولة المحلية إما بتفتيتها أو تعميم سيادات متفرقة أو خلق مواقع قوة بديلة لها ومنافسة لسيادتها.

ولاية الأمة على نفسها حررت مفهوم الإمامة من السلطة، بحيث لم تعد الإمامة تياراً سياسياً أو حتى مذهباً خاصاً

بالمقابل فإن مقولة ولاية الأمة على نفسها، حررت مفهوم الإمامة من السلطة، بحيث لم تعد الإمامة تياراً سياسياً أو حتى مذهباً خاصاً بل نموذجاً مسلكياً تقوياً وعلمياً وأخلاقياً يقبل الإتِّباع والتأسي من قبل الجميع. فالإمامة وفق فهم شمس الدين ليست امتلاكاً لمنصب أو سلطة أمر بل نموذج اقتداء واتباع دينيين، وصورة إسلام نقي مثلتها سيرة الائمة وأقوالهم، لا تختص أو تُحصر بمذهب دون آخر.كذلك فإن، ولاية الأمة على نفسها، حررت السلطة من الإمامة، فلم تعد السلطة السياسية حقيقة دينية أو تعبدية أو حقل وصاية من أحد على أحد، بل مجال نشاط بشري حر، تبدأ بولاية الإنسان على نفسه، أي حقه في تقرير مصيره وصنع خياراته، وترتقي عبر توافق الإرادات الفردية وتعاقدها داخل مجال مجتمعي خاص لتصبح ولاية عامة تكون الشرعية بداخلها متقومة بمشاركة فاعلة من الأفراد، تجعل مسار السلطة يسير من القاعدة إلى الأعلى عبر التمثيل، ومن الأعلى إلى القاعدة عبر القانون والدستور والمؤسسات، أي عبر الدولة.

قدمت ولاية الأمة على نفسها حلاً جدياً لمشكلة تواجد الشيعة وتوزعهم في بلدان متعددة

قدمت ولاية الأمة على نفسها حلاً جدياً لمشكلة تواجد الشيعة وتوزعهم في بلدان متعددة، فلا يعود هنالك ثنائية ولاء أو ولاءات متعارضة، أو تعارض بين ولاء للدولة وولاء للإمامة الدينية، أو تباين بين انتماء وطني وهوية دينية. فالإمامة لم تعد منطقة ولاية سياسية بل ولاية باطنية تقوية وتأويلية أي ولاية قدوة واتباع دينيين تأخذ مساحتها داخل أي مجتمع من دون أن تكون مصدر قلق أو تعارض مع موجبات انتظام هذا المجتمع. كما إن المجال السياسي بات كما ذكرنا منطقة فراغ أخلى التشريع الديني نفسه منها، ليكون منطقة اختبار إنساني تتجلى فيه حرية الإنسان وقدرته على الابتكار والابداع. فلا تعود مشروعية الفعل السياسي مرهونة أو مقيدة بعناوين ثانوية تمليها ضروروات زمن الغيبة بجلب المصلحة ودفع المفسدة، بل هو فعل مشروع ومطلوب بالعناوين الدينية الأولية، أي لا تعود مسوغات الفعل السياسي مقتصرة على الضرورة، بل يصبح فعلاً مقصوداً لذاته، لجهة اعتبار الإنسان كائناً عاقلاً وحراً ومؤتمناً على مصيره. ليكون التدبير السياسي بموجب هذه النظرة، فعلاً إنسانياً يمارس فيها الإنسان حريته بمسؤولية. كذلك، لا نعود أمام تعارض بين انتماء ديني أو مذهبي وهوية وطنية، فالانتماء الديني، وفق ولاية الأمة على نفسها، ليس ولاءات ظرفية مشخصنة بقدر ما هي فعل انتماء لله ومديونية عبودية له، أي هي علاقة عامودية تتعمق بعمق فرادتها وفردانيتها، أما الهوية الوطنية فهي ذات طبيعة أفقية تتجسد باختبارات بشرية جمعية وتفاعلات إنسانية مشتركة راكمت ذاكرة ونظم علاقات وأنتجت ذهنيات خاصة داخل بيئة محددة.

وفق ولاية الأمة على نفسها، ليس ولاءات ظرفية مشخصنة بقدر ما هي فعل انتماء لله ومديونية عبودية له

الفرق بين نظريتي الولايتين

الفرق بين نظريتي الولايتين، أن: نظرية ولاية الفقيه ألقت أثقال الماضي بكثافته العقائدية وجدله الكلامي ودوغمائيته الشديدة التركيز على الحاضر، لتنتج وصاية ولايتية مطلقة على حاضرنا، فبات حاضراً مصادراً ومكبلاً وفاقد القدرة على المبادرة أو صناعة واقعه، وحاضراً مفجِّراً لتناقضات وصراعات لا حد لها. أما نظرية ولاية الأمة على نفسها، فقد استجابت لهواجس الحاضر وتعقيداته وتحدياته، فاستنبطت من النص الديني ما يراعي خصوصية هذا الحاضر وما تمليه ضروراته ويستدعيه حضوره وفعاليته.

ولاية الفقيه قسَّمت العالم إلى فسطاطين: فسطاط الحق المطلق المتمثل بالولاية المطلقة، وفسطاط الباطل الذي يضم كل ما عداه

ولاية الفقيه قرأت الحاضر بذهنية ماضوية فجاء الحاضر مستلباً ومُغيباً، وولاية الأمة على نفسها قرأت الماضي بذهنية الحاضر للتأكيد على أصالة الحاضر في أي فعل تأويلي أو اجتهادي للنص الديني.

ولاية الأمة على نفسها فقد أزالت كل مظاهر الاستبداد وفككت موجباته ومسوغاته وتأويلاته الدينية

ولاية الفقيه قسَّمت العالم من جديد إلى معسكرين وفسطاطين: فسطاط الحق المطلق المتمثل بالولاية المطلقة، وفسطاط الباطل الذي يضم كل ما عداه. أما ولاية الأمة على نفسها، فقد فسرت الاختلاف والتنوع شكلاً بشرياً تقتضيه موجبات الطبيعة الإنسانية نفسها. ولاية الفقيه مبادرة اجتهادية نضالية أرادت إزالة استبداد قائم، فإذا بها تؤسس مكانه استبداداً من نوع أخر أكثر شمولاً وكثافة، أما ولاية الأمة على نفسها، فقد أزالت كل مظاهر الاستبداد وفككت موجباته ومسوغاته وتأويلاته الدينية، وتركت السياسة ساحة نشاط إنساني خالص.

 

South Sudan’s Other War: Resolving the Insurgency in Equatoria

 الأربعاء 3 آذار 2021 - 6:25 ص

South Sudan’s Other War: Resolving the Insurgency in Equatoria A rebellion in Equatoria, South Su… تتمة »

عدد الزيارات: 57,442,249

عدد الزوار: 1,697,782

المتواجدون الآن: 47