على أبواب عصرٍ فكريٍّ جديد...

تاريخ الإضافة الأحد 23 حزيران 2024 - 7:36 م    عدد الزيارات 374    التعليقات 0

        

على أبواب عصرٍ فكريٍّ جديد...

أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعيّة

مركز الشرق الأوسط للأبحاث

عاشت المجتمعات أسلوبَ إدارة ذاتيّة ديمقراطيّة، على أساس العشيرة والقبيلة، حتى نهاية العصر الحجريّ الحديث (العصر النيوليثي). ويُلاحَظ، بدءاً من العشيرة، أنّ تلك المجتمعات عاشت في ظلّ إدارة ذاتيّة امتدّت لملايين السنين، ويُعدّ المجتمع الطبيعيّ في الفترة الممتدّة بين الألفيّة السادسة والرابعة قبل الميلاد، والتي تُعرَف بـ«العصر الحجريّ الحديث»، ذروةَ هذه الحقبة التاريخيّة الطويلة. في هذه الذروة تنعّمَ المجتمع النيوليثي بإدارة ذاتيّة، واستمرت عجلة تطوّره ليصبح مجتمعاً يُدير نفسه بنفسه.

ساهمت ثقافة «تل حلف»، المعروفة بذروة المجتمع الطبيعيّ، في تطوير ثقافة «تل العُبيد» في ميزوبوتاميا السفلى. ومع الحقبة السومريّة، التي تطوّرت على أساس ثقافة «تل العُبيد»، انحرفتْ عجلة تطوّر المجتمع الطبيعيّ وحدثَ التّشتّت. خلال مرحلة التّشتّت، وبعد فترةٍ طويلةٍ من الصراعات الشاملة، نشأت بنيةٌ طبقيّة، هرميّة ودولتيّة.

إنَّ المدينة والطبقة والدولة التي بدأت في أوروك، في الفترة ما بين (3000 – 2500 قبل الميلاد)، تطوّرت كحقبةٍ مُنفصلة، وبينما تحوّلت الحضارة الدولتيّة إلى حضارةٍ سومريّة، فإنَّ الفئات التي قاومت ولم تخضع للدولة استمرّت في الوجود ككياناتٍ حضاريّةٍ ديمقراطيّة، وشهد التاريخ–على هذا الأساس- فتراتٍ من الصراع العنيف بين الحضارة الهرميّة الطبقيّة الدولتيّة من جهة، والحضارة الديمقراطيّة من جهةٍ أخرى. ليبدأ التاريخ الرسميّ، بعد ذلك، مع التاريخ المكتوب، متجاهلاً الحياة الاجتماعيّة والنُّظم التي دامت مئات الآلاف من السنين.

لا يمكن الشروع بقراءة التاريخ من خلال المرحلة الرسميّة المكتوبة، أو من المنظور الطبقيّ، وإنما تقتضي الضرورة أن نبدأ أطروحتنا التاريخيّة مع تشكّل العشيرة؛ فالتناقض الذي يظهر في سياق المجتمع التاريخيّ هو بين المجتمع الهرميّ الطبقيّ الدولتيّ وبين الحضارة الديمقراطيّة.

عمل نظام الحضارة الدولتيّة، بشكلٍ مُمنهَج، على إضعافِ المجتمع الطبيعيّ، كمجتمع «أخلاقي – سياسي»، وسعى جاهداً إلى تآكلهِ وإقصائه؛ فالحضارة الدولتيّة، التي يستند وجودها على الاستغلال واحتكار السلطة، لا يمكنها تأسيس الاستغلال والاحتكار ما لم تقم بذلك. لقد تمكّن رأس المال من تطوير احتكاراته بتدمير خصومه، ولهذا فإنَّ سبب وجود احتكارات السلطة هو تقويض المجتمع الأخلاقي – السياسي ونهبه، وتحويله إلى مجرّد سلعة. هذه الحقيقة تتجلّى من خلال ممارسات الإبادة التي تطوّرت، ضد المجتمع والمرأة والطبيعة، عبر التاريخ وحتى يومنا هذا.

تتطوّر الحضارة الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة كمعارض للمجتمعية، كنظامٍ يشكّل القطب السلبي من قطبين متعارضين في التدفّق الرئيسيّ للتاريخ، حيث يتأرجح هذا التدفّق بين طرفين متضادين: حضارة تركّز على السلطة والدولة من جهة، وحضارة تمثّل الشكل المجتمعي غير الدولتيّ من جهةٍ أخرى، فالتناقض الأساسي يكمن بين هذين القطبين المتضادين، وجميع العلاقات والتناقضات والصراعات، الأيديولوجية والسياسيّة والطبقيّة والثقافية والاقتصادية والعسكرية، تجري بين هذين النظامين الحضاريين، ولذا فإنَّ النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ يرفض وينكر مرحلة المجتمع النيوليثي، ويقوم بتغطية المراحل التاريخيّة، التي استمرت مئات الآلاف من السنين، بأنواع المؤامرات كافة، ويبدأ التاريخ الرسميّ مع ظهوره.

حيثما وُجِدت الذهنية والجسد الدولتيّ الطبقيّ فمن الممكن الحديث عن المجتمع الحضاري الديمقراطيّ، باعتباره نقيضاً جدلياً لها، وفي هذه الحالة يجب على جميع المكونات والوحدات التي تندرج ضمن إطار الذهنية الحضاريّة الديمقراطيّة أن تكون منظّمة بشكلٍ مُمنهج ولديها برامج، وينبغي عليها تنظيم نفسها بشكلٍ شاملٍ على أساس هذه البرامج.

على الرغم من أن النظام الحضاريّ، الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ، يمثّل 10 % من المجتمعات، إلا إنه نجح في تنظيم نفسه كاحتكاراتٍ ضخمة منظّمة، فلماذا لا تنظّم نفسها الـ 90 % من المجتمعات، التي تضمُّ الكيانات الحضاريّة الديمقراطيّة؟ يجب على الكيانات التي بقيت خارج هذا النظام، والتي تمثل الأغلبية، أن تنظّم نفسها، مثل: العشائر والقبائل والعائلات، الحركات الثقافية، الحركات الدينية، الحركات البيئية، الحركات النسوية، حركات الشباب، الحركات الاجتماعيّة والاشتراكية، الحركات الأناركية، حركات العمال والموظفين، الفئات المتنورة المثقفة، وكل الحركات التي تُعرّف نفسها كوحداتٍ حضاريّةٍ ديمقراطيّة.

عند الحديث عن التنظيم، نودُّ الإشارة إلى أننا لا نقصد التنظيمَ الكلاسيكيّ، القائم على الهرميّة بين الحاكم والمحكوم، فالتنظيم حقيقةٌ موجودةٌ في جوهر المجتمع ونسيجه، ولكي تتمكّن المجتمعات من التعبير عن نفسها في الحياة، فإنّها تحتاج –باستمرار- إلى التحرّك بشكلٍ جماعي، وتحديد جميع مُتطلبات الحياة، ووضع مبادئ الحياة المشتركة وتلبية احتياجاتها، وتمييز الصواب من الخطأ.

لذلك، وبناءً على هذا الأساس، فإنّ شكل تنظيم المجتمعات ولغته، كانا دائماً عبارة عن تنظيمٍ كونفدراليٍّ ديمقراطيٍّ غير دولتي؛ فالكونفدرالية تمثّل التنظيم الأنسب للحياة المجتمعيّة التاريخيّة. لقد أثبت التدفّق التاريخيّ هذه الحقيقة، ومن هذا المنظور، يمكن وصف خلق المساحات الحرة وتنظيمها بشكلٍ مرنٍ على أساس الكونفدرالية خارج النظام، ولكن ضمن نظامٍ معيّن، وإدارة الذات من خلال ديمقراطيّةٍ مباشرةٍ تعتمد على إزالة الدولة تدريجياً من الحياة، وتوسيع هذه المساحات دون الحاجة إلى الدولة، بأنه النهجُ الأنسب.

هل يمكن لوحدات الحضارة الديمقراطيّة أن تتوسّع وتصبح عالميّة؟

توجد عناصر الحضارة الديمقراطيّة كوحداتٍ اجتماعيّة، لكنها ليست منظّمة أو مُمنهجة أو متكاملة لعدم وجود نموذجٍ أيديولوجيٍّ وسياسيٍّ موحَّد لها. لقد قُمِعت الوحدات الأخلاقيّة – السياسيّة، التي تعدّ وحدات المجتمع الديمقراطيّ، نتيجة الهجمات المستمرّة من نظام الحضارة الدولتيّ الطبقيّ، غير إنَّ هذا لا يعني أنّ المجتمع الأخلاقي السياسي قد انتهى أو استنفد، فعلى الرغم من تعرّضه لأنواع الهجمات كافة، وتفكّكه كمنظومة، فقد استمرَّ في الوجود، بطريقةٍ أو بأخرى، بالتوازي مع الحضارة الدولتيّة حتى يومنا هذا.

إنَّ نظام الحضارة الدولتيّ يفرض وجوده من خلال القمع والاستغلال وبناء احتكارات متواصلة، وينظّم نفسه باستمرار. ومنذ نشأته طوّر آليات أيديولوجية وثقافية وسياسيّة وعسكرية ضخمة، وفرض نفسه على المجتمع من خلالها، كما ساهمتْ في تنظيمه وضمان استمراريته.

ذكرنا آنفاً أنَّ النظام الحضاري، الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ، يمثّل انحرافاً ومعاداةً للمجتمع من منظور التدفّق التاريخيّ – الاجتماعي، فالمصدر الأساسي والفهم التاريخيّ – الاجتماعي الذي يجب الاعتماد عليه هو حقيقة المجتمع الطبيعيّ الجماعي، ولكن عند الحديث عن نظام الحضارة الدولتيّة وتطوّره، خلال فترة الكتابة، سيتم إيراد أمثلة حول بعض الأساليب، وهي ليست أساليب طوّرتها الأنظمة الدولتيّة، بل هي أساليب طوّرتها الحياة الاجتماعيّة، وكما هو الحال في كل الأمور، أخذ النظام الدولتيّ هذه الأساليب من المجتمعات واستخدمها بمعنى معاكس. تعتمد هذه الأساليب في عرف التدفّق الاجتماعي على مبادئ التوسّع والنمو لحماية نفسها، وهذا هو الشرط الأساسي والقانون الضروري، الذي لا غنى عنه، للوجود الاجتماعي.

في الوقت الذي تطوّر فيه الحضارةُ الدولتيّة نفسها، على هذا الأساس، يتعيّن على عناصر الحضارة الديمقراطيّة تنظيم نفسها لمواجهتها؛ إذ إنها لن تتمكّن من تحقيق وجودها وإثباته ما لم تطوّر نفسها. إننا نتحدّث عن وضعٍ غير مُنظَّمٍ في مواجهة احتكارٍ متطوّرٍ ومنظَّمٍ بشكلٍ هائل. تاريخياً، لم يكن ثمّة تنظيمٌ شاملٌ، ولم تكن هناك فرصٌ كثيرةٌ لتحقيق ذلك؛ لأن النظام الحضاري الدولتيّ الطبقيّ كان ينظّم نفسه من جهة، ويواصل ضرب وحدات المجتمع الطبيعيّ، بالأدوات العسكرية والسياسيّة والأيديولوجية والثقافية التي أنشأها، من جهةٍ أخرى. وبذلك، فرضَ سيطرته على المجتمع، باستخدام أدوات القسر، مادياً ومعنوياً، بدءاً من السيطرة على الذهنية ومن ثمَّ دعم هذه الهيمنة مادياً بالأدوات القوية.

لم يكن وضع وحدات الحضارة الديمقراطيّة في السويّة نفسها؛ إذ لم تملك من الأدوات سوى ما مكّنها من الحفاظ على حياتها. وبسبب تعرّضها المستمر للهيمنة فقد كانت مشتّتة، محدودةَ الأدوات والوسائل، ولم تتطوّر تنظيمها، وأصبحت تابعة بسبب الاضطرار للعمل، يومياً، لكسب قوتها. ونتيجةً لكل هذه الأساليب المتطوّرة، وُضِعتْ وحدات الحضارة الديمقراطيّة تحت ضغط الدول وخضعتْ لنُظمها المُستغِلة، مما قضى على إمكانيات تنظيمها. بسبب هذه الضغوط والعوائق العميقة، فضلاً عن أسباب أخرى، لا بُدَّ من التفكير في نظام الحضارة الديمقراطيّة بشكلٍ جذري.

ماذا نقصد بالوحدات؟ بشكلٍ أساسيٍّ، نقصدُ بها الفئات التي تعيش وتُدرك، إلى حدٍّ ما، وضعها المُناهِض للنظام، وهذه الوحدات ليست منظّمة في حين أن قوى الحضارة الدولتيّة منظّمة، ويتضمن نطاقها جميع الفئات، بدءاً من الفرد وانتهاءً بأكبر الوحدات.

لقد درس ماركس التاريخ من منظورٍ طبقيّ، وتناول التناقض الأساسي في المجتمع على أساس الصراع بين: العبيد والسادة، الإقطاعيين والفلاحين، العمال والرأسماليين، ومضى لتصنيفٍ طبقيٍّ آخر ضمن طبقة العبيد ليتحدّثَ عن العبيد وأشباه الأحرار من العبيد، وتحدّث في مرحلة الإقطاع عن الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً وأولئك الذين يملكون، أما في عصر الرأسماليّة فتحدّث عن العمال والبرجوازيين من أصحاب العمل. في حين أنّ القائد عبد الله أوجلان نظر بشكلٍ شاملٍ إلى الفئات، خارج نظام الحضارة الطبقيّة الدولتيّة، ووصف الفئات التي تشكّل المجتمع بأكمله، بما في ذلك الطبقات، بأنّها المجتمع المُضطهَد. الأفراد ينتمون إلى هذه الوحدات، والطبقات، كذلك، هي جزءٌ من هذه الوحدات، ولذلك فإن فئات المجتمع كافة، التي تدرك وجودها وتقف ككيان ضد الحضارة الدولتيّة، هي وحداتٌ للحضارة الديمقراطيّة.

إذا كان الوضع على هذا النحو من منظور التاريخ والمجتمع، فإن تنظيم هذه الوحدات يبدو ضرورة. ومن هنا تبدأ الحلقة الأساسية للنموذج التحرّري النسائي الديمقراطيّ والبيئي. فإذا كانت الحضارة الدولتيّة الطبقيّة الهرميّة منظّمة بشكلٍ مُتقن في الميادين كافة، فإن وحدات الحضارة الديمقراطيّة لا يمكن أن تبقى، على هذا النحو، مشتّتةً وغير منظّمة.

إنَّ طريق وحدات الحضارة الديمقراطيّة، لتنظيم نفسها وإنشاء نظامها الخاص، يتمثّل في تحقيق هذا التنظيم والنظام على مبادئ التعدّدية، وخلافاً لذلك، ستظلُّ عرضةً للقمع والهزيمة -كما أظهر التاريخ على مدى خمسة آلاف عام-أمام النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ. لذلك، ومن أجل تجنّب هذا الوضع، لا مفرَّ من تطوير حركة إعادة البناء، وينبغي على وحدات الحضارة الديمقراطيّة التخلّص من حالات الهزيمة، أمام الحضارة الطبقيّة والهرميّة والدولتيّة، من خلال تنظيم نفسها وتجاوز حالات الانفصال والتشتّت وعدم التنظيم، فالتاريخ والمجتمع أثبتا حقيقة وجود هذه الوحدات، ولكنها بحاجةٍ لبناء نفسها.

في عملية البناء الاجتماعي، لا يمكن أن يكتسب التمثيلُ الكميّ لهذه الوحدات قوةً نوعيّةً إلا من خلال تنظيمها. وكما تتمثّل الحضارة الطبقيّة والهرميّة والدولتيّة، التي وصلت إلى تنظيم عالمي، في الوقت الحاضر، فإنه يتوجّب على قوى الحضارة الديمقراطيّة أن تحقّق، أيضاً، تنظيماً شاملاً على المستوى العالميّ، بدءاً من الوحدة الأدنى فيها. النقطة الأساسية التي يجب التأكيد عليها هي أن الزيادة الكمية في المجتمع، سواء من حيث الذهنية الاجتماعيّة أو الجسدية، هي ضرورية للبقاء، وهذا قانون لا غنى عنه للحياة والحرية.

لقد رأينا كيف نشأت وتطوّرت العقليّة السياسيّة، الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة، في سومر، على مدى خمسة آلاف عام، وكيف نَمتْ خطوةً إثر خطوةٍ لتصبح قوةً عالميّة. إنّ قوة العقليّة السياسيّة، الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة، تكمنُ في قدرتها على التوسّع والتطوّر، لأنها تعلم جيداً أنّ عدم تطويرها لنفسها وتوسيع نطاقها يعرّض وجودها للخطر. لذلك، فالطريقة التي تحافظ بها على نظامها، وتروّج لنظامها الاقتصادي، وتحافظ على عجلة القهر والاستغلال، هي من خلال تنظيم نفسها وتوسيع نفوذها على المستوى العالميّ من خلال التراكم والنمو.

إنه أمرٌ في غاية الأهمية؛ أن نفهم مسيرة المرحلة التي بدأت في مدينة أوروك السومريّة، وكيف تطوّرت الوحدات -صاحبة السلطة- التي ظهرت في هذه المدينة الصغيرة ووصلت إلى مستوى عالميّ عبر التنظيم. لقد أصبح النظام الطبقيّ والهرميّ والدولتيّ قادراً على تعميم نفسه، من كيانٍ محليٍّ إلى احتكاراتٍ عالميّة، فوصل إلى المليون من الواحد.

ولادة الأمّة الديمقراطيّة كوحدة حضاريّة ديمقراطيّة في كُردستان وصيرورة انتشارها

إن طرح هذا التساؤل والتفكير فيه مليّاً أمرٌ مهمٌّ للغاية: كيف يمكن لوحدات الحضارة الديمقراطيّة، من خلال تنظيم نفسها على مستوى الوحدات الصغيرة، أن تتجاوز هيمنة القوى العالميّة وتقضي عليها؟ دعونا نتابع ذلك من خلال نموذج كُردستان.

إنْ اقتصر وجود وحداتنا الأمميّة الديمقراطيّة الناشئة في كُردستان فقط، فإنّها لن تتمكّن من بناء نفسها، كوحدةٍ اجتماعية وأخلاقية وسياسيّة، ومواصلة النضال وتحطيم الهيمنة الإقليميّة والعالميّة. إنَّ الوحدة الاجتماعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة، الواعية والمنظّمة داخلياً، التي تطوّرت في كُردستان لا يمكن أن تكون فعّالةً إلا بقدر تطويرها لذاتها، وتعميم وجودها على مستوى العالم، وتحويل نفسها إلى قوةٍ عالميّة، وحينها ستصبح قادرةً على التأثير، ويصير بالإمكان تطوير فارق التغيير في هذا التحوّل، ويمكن أن تتحوّل هذه الوحدة المنظّمة، من خلال الحفاظ على نفسها وتوسيع نطاقها، إلى قوةٍ إقليميّة وعالميّة.

من المهم أن ندرك أن معرفة قيمة مثل هذه الوحدة، على المستوى الإقليميّ والعالميّ، توازي قيمة فهم أنّ هذه الوحدة لن تحقّق غايتها ما لم تتوسّع.

إنَّ الحفاظ على وجود هذه الوحدة، التي تطوّرت في كُردستان، يتطلّب-في المقام الأول- تجسيد أطروحات النظام الكونفدرالي الديمقراطيّ على المستوى الإقليميّ والعالميّ من خلال مفاهيم «تحالف الشعوب وأخوة الشعوب». هذه المفاهيم لم تطرح بشكلٍ عشوائي أو رومانسي، بل هي جزءٌ من فهمٍ استراتيجي لا غنى عنه، ولهذا يجب أن تكون وحدات الحضارة الديمقراطيّة منظّمةً بشكلٍ مُترابط على المستويين الإقليميّ والعالميّ، تماماً كما تمتلك الاحتكارات الدولية تنظيماً مترابطاً. ولأجل تحقيق هذا الهدف تنتظرنا مهامٌ بالغة الأهمية. إن الطريقة الوحيدة للانفصال عن النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ تتمثّل في أداء بعض المهام، وفي مقدّمتها المهام الفكريّة والسياسيّة والأخلاقيّة، التي تعدُّ الأهم.

ترتبط هذه المهام ارتباطاً وثيقاً مع بعضها البعض، ولذلك فإنّها بقدر ارتباطها الوثيق ببعضها فهي ترتبط كذلك بأدوارها على نحوٍ مستقل، وبدون تنفيذ هذه المهام الثلاث لا يمكن تطوير حركةٍ عالميّةٍ منظّمة ومُمنهجة. لذلك، سيتمُّ أولاً تقديم تعريفٍ مختصر لهذه المهام الثلاث، ثم كيفيّة تطوّرها تاريخياً، وكيف قيّمت حضارة الدولة هذه المهام الثلاث، وأخيراً تقديم شرح للتاريخ الموجز للثورات الفكريّة عبر التاريخ.

المهمّة الفكريّة هي ظاهرة تتعلّق بتطوير العقليّة والتفكير المنهجيّ على مستوى المجتمع الديمقراطيّ، وتتضمّن القوة الفكريّة والفعل. تتسم العقليّة بالمرونة ولذلك فهي مفتوحة للتشكيل الإيجابي والسلبي، ولقد اكتشفت مراكز السلطة هذا الأمر، فهاجمت بشكلٍ رئيسيٍّ الظاهرة الذهنية وفرضتْ تفكيرها الخاص، وهنا يكمنُ سرّ نجاحهم. لذلك، يجب أن تكون وحدات الحضارة الديمقراطيّة، أولاً وقبل كل شيء، في نشاطٍ ذهني؛ فجمعُ كل الوحدات المتفرّقة يتطلّب نشاطاً فكرياً، وهذه هي المهمّة الأكثر أولويّة.

على الدوام، تتعرّض أخلاقيات المجتمع للهجوم، والقمع، والفساد، والتآكل، على نحوٍ شاملٍ للغاية، ومع ذلك لم يتم القضاء على الخصائص الأخلاقيّة للمجتمعات بشكلٍ كامل. إنّ روح المجتمع الأخلاقي وخصائصه هي الظاهرة الأكثر تعرّضاً للهجوم على مدار خمسة آلاف عام.

إنَّ الهجومَ على الأخلاق، بهذا الشكل، ينبعُ من الرغبة في تفكيك المجتمع وإخراجه من كينونته الاجتماعيّة؛ حيث يكمن الجمود الاجتماعي في إلغاء الأخلاق. لقد أبرز النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ القانونَ والقضاء بدلاً من الأخلاق المجتمعية، ولذلك فإنّ إحياء وإعادة بناء الفهم الأخلاقي، الذي هو الروح الأساسية للكينونة الاجتماعيّة، يعدُّ مهمّةً أساسيّةً لا غنى عنها.

تشمل السياسةُ تطوير المجتمع بشكلٍ صحّي، وتنظيمه في جميع المجالات، وإدارته ذاتيّاً. السياسة هي تنظيمٌ يوميٌّ للحرية، والمساواة، والحياة العادلة، وتطوير هذه الحرية المنجزة واستدامتها. هنا، يقع على عاتق المجتمع مهمّة تنظيم حياته بطريقةٍ تمكّنه من إدارة نفسه. مع تطوّر النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ حلّت إدارة الدولة والبيروقراطية محلَّ السياسة، فخروج المجتمع عن كينونته كمجتمع ما هو إلا أمرٌ ناتجٌ عن غياب السياسة. في عملية البناء يجب إعادة السياسة، التي سُلبت من المجتمع، مجدَّداً إلى مركز العمل المجتمعي، لذلك فإنَّ العمل على بناء المجتمع بشكلٍ مستمرٍ يُعدُّ من المهام الأوليّة.

أزمة النظام في جوهرها أزمة فكريّة

نحن أمام مهمّة تنفيذ هذه المهام الأساسية وجهاً لوجه، وإنْ لم تُنفّذ هذه المهام الأساسية، التي لا غنى عنها، فلن يتحقّق أيّ تقدّم. نحن لسنا الوحيدين الذين يعبّرون عن هذه الحقائق، ولسنا فقط من نكتشف هذه الحقائق بأنفسنا. ولسنا نحن من أوجدها، وإنما تحتلُّ هذه الحقائق موقعاً مهيمناً باعتبارها حقائق تاريخية – مجتمعية.

الوحدات القبليّة هي الوحدة المجتمعية الأكثر ديمومةً بعد الكلان (الفخذ). لقد أنجزت القبائل المهام الأخلاقيّة والفكريّة والسياسيّة بشكلٍ مُتداخل، ويلاحظ بأنه لم يكن هناك فصلٌ حقيقيٌّ بين هذه المهام ضمن القبائل، فإذا تشكّلت مجموعةٌ وكانت في تطوّرٍ مستمرٍ فإنّها تنمو، أولاً، بالاستناد إلى الأنشطة الفكريّة والعقليّة.

تتطلّب الوحدةُ تكامل العقليّة والسلوك الاجتماعي من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ تنظيم الأخلاق، التي تعدُّ الاسمنتَ الذي يربط الأفراد معاً ككل من القواعد، وتنظيم العلاقات المجتمعية، يعدُّ أمراً مهمّاً دوماً.

حيثما وُجِد التنظيمُ فإنّ الأخلاق تتطوّر كتعبيرٍ عن هذا التنظيم، بينما في المهام السياسيّة فإنَّ تنظيم الأشياء المطلوبة يومياً وحمايتها وضمانها، يؤدي إلى بروز السياسة.

يوجد وضعٌ مماثلٌ لهذا ضمن العشائر، فهي تهتمُّ، عادةً، بالمهام السياسيّة، وبالتالي فهي تشكيلاتٌ سياسيّة، لأن العائلات والكلان أظهرت اختلافاً ناتجاً عن مستوى تمثيلها داخل القبيلة، ونظراً لتزايد صعوبة الحياة وتعقيدها، أصبح من الضروري للناس التعامل مع الإنتاج وتغيير العلاقات فيما بينهم، بالإضافة إلى مواجهة المخاطر المُحتملة، الأمر الذي فرض التوسّع، الذي أفرز بدوره العشائر، حيث تشكّلت العشائر في الغالب من اتحاد عدّة قبائل، وقامت هذه العشائر، القائمة على اتحاد القبائل، بتنظيم نفسها بشكلٍ كونفدرالي؛ لذلك تُعدُّ كونفدرالية العشائر نظاماً سياسيّاً.

كان تنظيمُ العشائر، بشكلٍ أساسي، تنظيماً أخلاقياً؛ حيث ساد فيه مبدأ «الواحد من أجل الجميع، والجميع من أجل الواحد»، في حين أنَّ القبائل تطوّرت كصيغةٍ سياسيّة. اكتسبت السياسة زخماً ضمن العشائر، وتم إضفاء الطابع المؤسَّساتي على الأخلاق، جزئياً، وتم تناقلها من خلال الخبرة والثقافة، ولذلك تطوّرت الأخلاق في القبيلة من خلال نقل تجارب النساء والمُسنّين كخبراتٍ ثقافية. ولأن القبيلة ومن ضمنها العشيرة لم تتفككا، فقد انتقلت تلك التقاليد من العشيرة إلى القبيلة، وبذلك طوّرَ الشامان، والكهنة، والنساء ذوات الشأن، والمسنّون، الفكرَ والعقلانية والتنوير ضمن العشيرة.

على الرغم من أنّ هذه المهام لها خصائصها المميّزة في الديانات الإبراهيميّة، إلا أنها تطوّرت بشكلٍ مُتداخلٍ ومتشابه. في الإسلام تعدُّ المدارسُ مؤسّسات فكريّة، أما المسجد فيمثّل مؤسّسة أخلاقية، وأما السلطنة، أو أنماط الحكم، فتعبّر عن الوضع السياسي، بينما يعبّر تطوّر الأنبياء عن الأنشطة الفكريّة، من كيفيّة نزول الآيات إلى أساليب التفكير. من خلال نشر الأنشطة الفكريّة بين المجتمعات تتشكّل العقليات وأساليب السلوك، وبذلك تنجح الأديان في ترسيخ أنظمتها بالقدر الذي تنجح فيه في تشكيل عقليّة المجتمع، فكما حقّقت هذه الأنشطة نجاحاً، فقد ساعدت على زيادة التوسّع، لذلك يمكن اعتبار معارضة الأنبياء للأنظمة، من نمرود إلى الفراعنة، والوصايا العشر، والكتب المُقدَّسة والوحي، كإنجازاتٍ فكريّة وأخلاقيّة.

يتطوّر ظهور المَلكية بين اليهود في القدس كمرحلةٍ سياسيّة، وفي المسيحية فإنَّ خلق فكرة الخلاص هو نشاطٌ فكري، ومنظّماتهم التي بلغ عمرها 300 عام ما هي إلا أنشطةٌ سياسيّةٌ ذات أساسٍ أخلاقيّ، طوّرتها الدولة الناشئة فيما بعد كأنشطةٍ سياسيّة.

إن التّداخل المُفرط للمهام الفكريّة والأخلاقيّة والسياسيّة منع تطوّر خصائصها الإبداعية في الأديان، فهذا التداخل الشديد بين المهام الثلاث أدّى إلى ضعف استقلاليتها، بينما حصلت الحركة الفكريّة على الاستقلالية في كلٍّ من أيونيا، واليونان وروما، فكانت مدارس الفلسفة عبارة عن مؤسساتٍ فكريّة، منتشرةٍ على نطاقٍ واسع، وكان يتمُّ الحديث عن المهام كتطوّرٍ مهّمٍ في الانتقال من التّبعيّة إلى الحرية.

في روما، طوّرت الأخلاقُ ذاتها في المعابد، وتطوّرت السياسة على شكل جمهورية، من خلال مجلس الشيوخ والإمبراطور، وبالتالي لم تعد فرديّة.

في الحداثة الرأسماليّة، أصبحت الأنشطة الفكريّة، في الغالب، محصورةً في الجامعات ومرتبطةً بها، وبالتالي فقدت الحركة الفكريّة استقلاليتها، وأصبحت مراكز العلم معتمدةً على الدولة القومية، وتعرّضت الأخلاق لضرباتٍ قاسيةٍ، ما حدثتْ في التاريخ قطّ، وواجهت خطر التلاشي لتحلَّ محلّها القوانينُ الوضعيّة والحقوق. أما السياسة، فقد قُيِّدتْ وقُلِّصتْ لتقتصرَ على البرلمان، ثم استُبدِلت السياسة، التي كانت مأخوذةً من المجتمع، بالبيروقراطية والإدارة ونظام الدولة. وفي الوقت الذي احتكرت فيه الحداثةُ الرأسماليّة الأنشطةَ الفكريّة، وحصرتها في الجامعات، وجعلتها أداةً تخدمُ باستمرارٍ مصالحَ نظام الدولة القومية، كان المجتمع قد انفصل بشكلٍ كبيرٍ عن المهام الفكريّة. إنَّ السيطرة المطلقة للحداثة الرأسماليّة هي نظام الدولة القومية، حيث رُبِطَ تنظيم المجتمع، بالكامل، بأسس الدولة القومية، وبهذه الطريقة حُرِمت المجتمعات، تماماً، من مهامها الأساسيّة.

في الدول الاشتراكية المشيّدة، كانت السياسة مركزيةً ومعزولةً عن المجتمع، وحلَّ القانون الوضعي محلَّ الأخلاق، وبدأت ممارسة السياسة من خلال الدول القومية، وتناولت الدول الاشتراكية المشيّدة المهام الفكريّة كنشاطٍ لنخبةٍ معيّنة بدلاً من المجتمع ككل، مما أدّى إلى تقليصها وترك المجتمع خارجاً. وعلى الرغم من أن الثورات الاشتراكية حدثت تحت راية الفكر الجديد، فقد انغمست في الدوغمائية العميقة، لذلك لم تُظهر أيَّ تطوّر، وفشلت الاشتراكية المشيّدة بسبب افتقارها إلى فكرٍ جديد.

بالنسبة للحضارة الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة، كانت هذه المهام الأساسية الثلاث مهمّةً، منذ عهد السومريين وحتى العصر الرأسمالي، فأسسوا أنفسهم وفقاً لهذه المهام، وكلتا الحضارتين أعطت هذه المهام أدواراً ووظائف مختلفة بأشكالٍ مُتباينة.

لم تستطع قوى الحضارة الديمقراطيّة أن تُبرز تميّزها؛ لعدم تنظيمها وبرمجتها، ولم تتمكّن جميع المحاولات، ذات النوايا الحسنة، من الوصول إلى المستوى النموذجيّ، ممّا جعل الحكّام هم الذين يضعون طابعهم النهائيّ على التطوّر.

في جوهر كل أزمة تكمنُ أزمة فكريّة، فكما أن جميع التطوّرات في التاريخ هي نتيجة للأنشطة الفكريّة، فإن كل المشاكل والأزمات التي نواجهها في عصرنا تقوم على أساس أزمة فكريّة، ويبقى أن نقول إنَّ «كل البناء الاجتماعي هو نتاج جهود البشر» فالفكر يُوجِدها ويطوّرها. إذا كانت هناك أزماتٌ في النظام، وإذا كانت هذه الأزمات تدار بأزمات غير طبيعيّة، فهذا يعني وجود أزمةٍ فكريّة خطيرة، فلا يمكن للأزمات أن تتطوّر من دون انسدادٍ في الفكر والعقل.

من وجهة نظر الفلسفة الوضعيّة والميتافيزيقيّة، لا يمكننا الوصول إلى تشخيص الأزمة الفكريّة، فعمليات التطوّر الاجتماعي، المستقيمة والخطية، تُفسَّر وتشرح بواسطة قوانين معيّنة. هناك قوانين خاصة بالطبيعة، والبشرُ ملزمون، فقط، بمعرفتها والاعتراف بها وفهمها، لذلك ليس لديهم المزيد من الحق في التدخّل. وهذا هو الحال في الفلسفة الماركسية أيضاً، فهناك نهجٌ محدّد، حيث تشرح الماركسية الأزمات، في الغالب، على أساس التناقض بين القوى الإنتاجية والعاملة، وتنظر إلى ذلك كتعبيرٍ عن الاستغلال، وبالتالي تبحث في مشاكل النظام نفسه، ضمن إطارها الفلسفي الخاص، والأساس دائماً هو القانون، وليس المجتمع وإرادة الإنسان، كما أنها لا تأخذ في الاعتبار التكوينَ الفكري، الذي أوصل النظام إلى تلك النقطة أو إلى ذلك التناقض، وتعتبر التطوّر الاجتماعي قانوناً لهذا الفعل، لذلك تعدّ الأزمات الاجتماعيّة التاريخيّة قضيةً مقدّرة، وتسعى للبحث عن حلول للأزمات الاجتماعيّة من خلال تحوّل الفكر.

من الواضح أنَّ هناك أزمةً فكريّةً عميقة، وتجاوز هذه الأزمة أمرٌ مُمكنٌ من خلال عمليةٍ فكريّة. لقد حدثت ثورات فكريّة في التاريخ، ومن خلال تلك الثورات تمَّ التغلّبُ على مشاكل النظام، وتمَّ دفعُ المجتمعات نحو الثورات الاجتماعيّة.

في الفترة الممتدة بين الألفية السادسة والرابعة قبل الميلاد، طُوّرت الزراعة وتدجين الحيوانات، ونُظِّم المجتمع، واستُخدمت التقنية، وطُوّرَ فن الإدارة، والفن والجمال، وتعمّقَ الفكر الروحي، وازدادت المنتجات عشرة أضعاف، وانتشرت ثقافة العصر النيوليثي مثلما حدث في تل حلف. كل هذه الأمور هي نتاج لمستوى الفكر والعقل، ومن هذا المنظور نعدُّ العملية التي حدثت في هذا التاريخ أوّل ثورةٍ فكريّة.

أما الثورة الفكريّة الثانية فتطوّرت في عهد السومريين، تكون الثورات الفكريّة إيجابية عندما تخدم تطوّر وتعميق فكر المجتمعات، فهذا بالضبط هو هدف الثورات الفكرية. ولذلك، إذا كانت الثورات الفكريّة تخدم المجتمع، فهي ذات معنى وإيجابية. إنَّ الثورة الفكريّة التي تطوّرت في سومر لم تخدم التدفّق الجدلي للمجتمعات لأن الحكام أخضعوها لسيطرتهم، ومع ذلك فقد كانت التطوّرات الهائلة، التي ظهرت، نتيجةً للتفكير المجتمعي لأنها تعمّقت في الأسس المجتمعية، فظهور الكتابة هو تجسيدٌ للتطوّر الفكري بوسائلَ مختلفة، والرياضيات، والأدب والفن هي نتائج للأنشطة الفكريّة، كما تطوّرت الأساطير، والطب، وعلم الفلك والتقنية وغيرها كنتاجاتٍ للفكر.

هذه الثروة التي انتشرت وتراكمت من سومر إلى اليونان وأيونيا ليست رفضاً للثورة الفكريّة التي تطوّرت في سومر، بل على العكس، هي تعميقٌ لها، ولذلك فإن الثورة الفكريّة التي تطوّرت في اليونان تمثّلُ نقلةً نوعيّةً نحو مرحلةٍ أعلى، وقد أحدثت فرقاً.

الاختلاف الأساسيُّ ظهرَ في الفلسفة، حيث تم تطوير أسلوبٍ جديدٍ للتفكير ونظامٍ فكريٍّ جديد، وهذا يمثّل أيضاً الانتقال من الفكر إلى العِلم. إنَّ الانتقال من عمليةٍ مُختلطةٍ بالأساطير والدِّين إلى عملية التفكير العلمي هو ثورةٌ فكريّة، ولذلك ظهرت طرقٌ وأساليبُ جديدة لفهم الكون والمجتمع، كعمليةٍ مرنة ومختلفة لاستخدام الفكر، والتي ستشكّل الأساسَ للفترات اللاحقة؛ ففي الكتابة حدثَ انتقالٌ إلى الأبجدية، وتطوّرَ الأدب والفن وفن الإدارة، وظهرت علوم الفيزياء، والمنطق، والرياضيات، والتاريخ والطب.

كل هذه التطوّرات التي شهدتها مناطق مثل: ميزوبوتاميا، اليونان، الرومان، آسيا، أفريقيا، أمريكا والمناطق الأخرى، تراكمتْ في أوربا، وأوصلت الثورة الفكريّة إلى ذروتها مع الثورة الصناعية. لاحقاً، احتُكِرت جميع هذه التراكمات من قِبل الدولة القومية، وتأقلمت التطوّرات الهائلة، مثل: الفن، الأدب، الفيزياء، الطب، علم الأحياء، الكيمياء، التكنولوجيا، العلوم الاجتماعيّة، الفلسفة، الثقافة وغيرها مع سياق الدولة القومية، ولم يعد هناك مكانٌ للعمليات الفكريّة في أوربا إلا كأداةٍ لرأس المال، مما أخرجها من خدمة المجتمع، وجعَلها تُستخدم ضدَّ المجتمع، ونتج عن ذلك نظام هيمنةٍ، مركزهُ أوربا، ودخلت العلوم الطبيعيّة، التي فرضت نفسها كعلومٍ إيجابية على المجتمع، في خدمة احتكارات رأس المال، مما عمّق الأزمات، ولذلك كانت الحربان العالميّتان، الأولى والثانية، نتيجةً لهذه الأزمات.

الباراديغما الجديدة المتطوّرة مع سوسيولوجيا الحرية

في الفترة التي دخلت فيها الفلسفة الوضعية في أزمة، يجب النظر إلى مدرسة فرانكفورت والمدرسة اللاحقة (مدرسة الحوليات/ Annales) كمراحلَ جديدة طوّرت فيها أطروحاتٌ جديدةٌ في العلوم الاجتماعيّة. خلال هذه الفترة، اعتمدت النقاشات التي تطوّرت في العلوم الاجتماعيّة على فيزياء الكوانتا، مما أدّى إلى فتح آفاقٍ جديدة، وينبغي اعتبار التطوّر الثوريّ في عِلم الكوانتا، أيضاً، نتيجةً للجهود الفكريّة. لقد استمرت النقاشات في العلوم الاجتماعيّة، التي تطوّرت من خلال نقد المراكز الأوربية والاشتراكية المشيّدة، حول عملية الاندماج في الحداثة الرأسماليّة، بسبب عدم تطوير نظامٍ بديلٍ لها، ولم يتحقّق المَخرَج المطلوب، لصالح الشعوب، في هذه العملية، ويمكن تسمية الفترة، التي تطوّرت بعد الحرب العالميّة الثانية، بفترة 1968 –1970.

على الرغم من أنّ الحركات النسوية، والحركات البيئية، وحركات الثقافة والديمقراطيّة، وحركات الشباب، التي تطوّرت في هذه المرحلة شكّلت أرضيّةً للانطلاق الثوري، إلا أنها لم تُسفر عن تطوير عمليةٍ بديلة. المفكرون والمثقفون الذين قادوا هذه العملية رأوا أن سبب الأزمة يكمن في النماذج المنهجية، ولذلك طوروا واقترحوا الفوضوية، ولهذا السبب أعطت هذه الفترة، التي تعرف بالمرحلة ما بعد الحداثية، متنفّساً للحداثة الرأسماليّة وأدت إلى عملية الاندماج فيها، وعلى الرغم من أن فترة 1968 – 1970 تطوّرت كجهدٍ فكريٍّ، إلا أنها خدمت الحداثة الرأسماليّة بسبب المُقترحات المنهجيّة المحدّدة.

مرحلة ما بعد الحداثة لم تتجاوز الرأسماليّة فكرياً وجسدياً، كان الجانب الجيد في هذه المرحلة هو أنها استجواب للذهنية الغربية المركزية والذهنية الاشتراكية المشيّدة، فقد تطوّرت هذه المرحلة كضربةٍ للنظرة الغربية المركزية، من خلال فهم أنّ الغرب لم يكن المصدر الرئيسي لكل التطوّرات، ومع ذلك، كانت أيضاً منفذاً للحداثة الرأسماليّة للخروج من أزمتها واختناقاتها لأنها منعت انهيار النظام، وأعطته متنفّساً، وأصلحته، ومكّنت من استمراره، كما ترتبط هذه المرحلة أيضاً بتطوّر إثراء رأس المال.

من الضروري أن نفهم المراحل الثلاثة لتطوّر الرأسماليّة: الرأسمالية التجارية والرأسمالية الصناعية والرأسمالية المالية، حيث يمكن اعتبار مرحلة الرأسمالية التجارية، التي تتوافق مع الدولة القومية، كأكثر أشكال الدولة القومية صرامةً، أما مرحلة الرأسمالية الصناعية فهي مرحلة تحوّل الدولة القومية إلى ما يشبه التابو. ومع وصولنا إلى فترة الرأسمالية المالية، تطلّبت الأزمات التي واجهها النظام حلولاً أخرى، ففي هذه الفترة، التي عزّزت فيها السلطة النقدية احتكارها العالميّ، لم يعد علم الاجتماع الوضعي قادراً على تلبية هذه الاحتياجات، لذلك حدث ارتباطٌ مباشرٌ بين هيمنة احتكار المال وظهور علم اجتماع ما بعد الحداثة، فقد تطلبت هيمنة المال سيطرة تتجاوز الدولة القومية، وكانت هيمنة الدولة القومية تشكّل عائقاً أمام تطور إثراء رأس المال، وهكذا كانت فترة ما بعد الحداثة متماشيةً تماماً مع هذه المرحلة.

تجرى هذه التعريفات والتحليلات، لفهم نهج العلوم الاجتماعيّة البديلة، في باراديغما الحضارة الديمقراطيّة بشكلٍ جيد، فلا يمكن لسوسيولوجيا الحرية أن تظهر دون فهم علم الاجتماع الوضعي وعلم اجتماع ما بعد الحداثة، ومن الضروري فهم فترة 1968 – 1970 جيداً لتوضيح فشل الذهنية الحداثية الرأسماليّة وما بعد الحداثية، وتحديد ما يجب أن يركّز عليه تطوّر باراديغما جديدة للعلوم الاجتماعيّة، لأن الحداثة الرأسماليّة في مرحلة استعادةٍ جديدة، وهذه المرحلة لا تزال مستمرةً. يجب أن ندرك أن الفترة التي نعيشها هي فترة أزمات الأنظمة، وأنَّ كل هذه الأزمات، التي نشأت نتيجة الأزمة الفكريّة، يمكن حلّها من خلال ثورةٍ فكريّةٍ جديدة.

الباراديغما الديمقراطيّة البيئية وتحرر المرأة، التي طرحها القائد عبد الله أوجلان، إلى جانب احتوائها على ثورة فكريّة، أدّت إلى ظهور باراديغما تاريخية – اجتماعية جديدة، فمن الواجب احترام التاريخ من خلال تعريف الذهنية الديمقراطيّة المطورة، كثورةٍ فكريّة، إذا ما اتبعنا لغةَ التطوّر الجدليّ للمجتمع التاريخيّ. من هذا المنظور، يجب الإشارة إلى أن باراديغما النظام المطوّر يعني ولادة عصرٍ فكريٍّ جديد، ولكن يجب أن نوضح بأنها لم يُفهَم على النحو المطلوب بعد.

الجانب الأكثر أهمية في تناول هذه المرحلة هو أنّ الحضارة الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة شهدتْ مجدداً مرحلة استعادةٍ منذ السبعينيات، فالدولة التي بدأت مع دول المدن السومريّة، وانتشرت في آشور، واستمرت مع الإغريق والرومان، واكتسبت شكلاً جديداً مع الدولة القومية، تعيش الآن مرحلة استعادةٍ جديدة بعد فترة 1968 – 1970. وبقدر ما تنجح هذه المرحلة ستخسر الشعوب مرةً أخرى، ولهذا السبب يعدُّ ظهور الحضارة الديمقراطيّة، التي تُعرف بسوسيولوجيا الحرية، ذا أهميةٍ تاريخية.

من هذه النقطة، يطرح القائد عبد الله أوجلان السؤال: «ما هو رد نضالات الحرية والمساواة والديمقراطيّة التي تطوّرت على مر التاريخ، وفي مقدمتها النضالات التي تطوّرت في القرنين الأخيرين، المضطهدين، الشعوب، الأمم، السياسات اليسارية، الفلاسفة، الأكاديميين والمفكرين، على هذه الأزمة؟»

ما هي إجابات كل هذه الفئات على أزمة النظام وبالتالي الأزمة الفكريّة، ضد النظام الطبقيّ الهرميّ الدولتيّ الذي يعاني من أزمة، وما هي السياسات وأدوات النضال، والبدائل التي تقدّمها الفئات المضطهَدة، ووحدات الحضارة الديمقراطيّة؟ يقدم القائد عبد الله أوجلان إجابةً عن هذا السؤال عبر اقتراح حضارةٍ ديمقراطيّةٍ قائمةٍ على مبادئ الديمقراطيّة، والبيئية والمساواة الجندرية.

نتيجةً لانفصال الحضارة الديمقراطية عن ذهنية وجسد الحضارة الدولتية فإنها تعبّر عن الهوية والزمان والحجم المكاني لنضال الإدارة الجوهرية ذات الذهنية الجديدة، التي تستند إلى مبادئ الديمقراطيّة والمجتمع البيئي وخط تحرير المرأة والاقتصاد التعاوني (المجتمعي)، وهي معرفةٌ ناتجةٌ عن الانفصال عن عقلية وجسد الحضارة الدولتيّة، وبالتالي يقدّم القائد عبد الله أوجلان كبديلٍ للحداثة الرأسماليّة، التي تتمثّل في الأسس الثلاثة وهي الدولة القومية والصناعوية والرأسماليّة، باراديغما الأمة – الديمقراطيّة، والاقتصاد – البيئي، والاقتصاد التعاوني المجتمعي. وبعد ثورة الكوانتا، وفي ضوء التساؤلات الجذرية التي شهدتها العلوم الاجتماعيّة، يقدّم القائد عبد الله أوجلان باراديغما تنظيمية جديدة باسم الشعوب، ويطوّر الباراديغما التنظيميّة للنظام البديل، وهي الشكل الكونفدرالي الديمقراطيّ للتنظيم، الذي يمثّل النظام الديمقراطيّ غير الدولتيّ، ويقترح إزالة الدولة من الحياة الاجتماعيّة.

باختصار، النظام الذي يمكن لوحدات الحضارة الديمقراطيّة، المناهضة للنظام، أن تعبّر عن نفسها من خلاله بأفضل شكل هو النظام الكونفدرالي الديمقراطيّ «الكونفدرالية الديمقراطيّة هي تنظيم الأمة الديمقراطيّة غير الدولتيّة». إن انضمام نسبة الـ 90% من المجتمع، التي تمثل وحدات الحضارة الديمقراطيّة، إلى تنظيمٍ كونفدرالي هو ضرورةٌ تفرض نفسها، وهذه هي الحلقة الأساسية، فإذا كان المجتمع الطبقيّ والدولتيّ منظّماً إلى هذا الحدّ، ويمتلك أدواتاً هائلة، فيجب أن تنتظم وحدات الحضارة الديمقراطيّة أيضاً، وأن تصل إلى ذهنية الأمة الديمقراطيّة التي ستطوّر نفسها بناءً على مبادئ التعددية، وأن تنظيم النظام الكونفدرالي الديمقراطيّ يمثّل جسدهُ ليصبح المجتمع هو الفاعل الرئيسي، وكما يتّضح من التاريخ فإن الكيان الأقوى هو تنظيم الشعب، الذي ينظّم نفسه ويحوّل ذلك إلى نظام.

وحدة الأمة الديمقراطيّة هي وحدةٌ من وحدات الحضارة الديمقراطيّة، هي وحدةٌ مُدركةٌ قامت بتنظيم نفسها في كُردستان على نطاقٍ واسع، ومع ذلك فإن نجاحها في بناء نفسها داخل حدود كُردستان غير ممكن، فالبقاءُ مقتصراً على البناء الذاتيّ يتناقض مع لغة الحياة الاجتماعيّة. بالتأكيد يمكن أن تكون ناجحة إذا تمكنت من إثراء نفسها وتوسيع ذاتها على نطاق العالم، ولذلك وقبل كل شيء يجب أن يتوفر هذا النوع من التفكير والفكر، وخلافاً لذلك فستعيد الأمثلة السلبية، التي حدثت في التاريخ، نفسها وستكون الشعوب محكومةً باليأس وعدم وجود أيّ خيارات.

علاوةً على ذلك، فقد تصبح قوانين الحياة الاجتماعيّة بمعنى زيادة التنوع؛ فمن الكلان إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الشعب، ومن هناك إلى الأمة الديمقراطيّة. تعتمد عمليات انتشار المجتمع على هذه القواعد.

إذا كان من الواجب أن تتحوّل الأمة الديمقراطيّة إلى نظامٍ عالمي، فإنه يتعيّن عليها أن تعمل على توسيع نفسها، فهماً وجسداً، من المحلي إلى العالميّ، فلغة الحياة الاجتماعيّة تجعل تحوّل الأمة الديمقراطيّة إلى أمم عالميّة ضرورةً، ويجب أن تتم رؤية هذه الحقيقة الاجتماعيّة. لقد تمكّن الحكّام من رؤية هذه الحقيقة وتوجيه انتباههم إليها، ومع ذلك فإنّ الشعوب المضطهَدة هي التي يجب أن ترى هذه الحقيقة، ولكنها، للأسف، لم ترها، كما أنها تعيش أيضاً حياةً منفصلةً عن هذه الواقعية.

الكونفدرالية الديمقراطيّة في الشرق الأوسط، وتكوين اتحادات ديمقراطيّة عالميّة لا يمكن بناؤها إلا على أساس إدراك هذا المفهوم الأساسي للتنوع، وهذا أمرٌ لا يمكن تحقيقه، من خلال الخطابات والمناقشات فقط، بل يتطلب تطوير وبناء وملء البنية التحتية لهذه الخطابات. ويجب علينا أن نفهم جيداً كيف تطوّرت ونجحت المهام الفكريّة والسياسيّة والأخلاقيّة، التي هي مهامٌ أساسيةٌ وجوهريةٌ في التاريخ. إن الطريق الوحيد للانفصال عن الحضارة الطبقيّة الدولتيّة هو أداء هذه المهام بكفاءة، حيث يجب على وحدات البناء الديمقراطيّ في كُردستان التحرك مع هذا الوعي، وتحقيق الباراديغما بما يضمن نجاح وصولها إلى الملايين، ويجب عليها بناء الأدوات الفكريّة، وتعزيز النمو المادي والروحي، من خلال الوصول إلى النظام العالميّ.

منذ عهد أوروك، رأت الحضارة الدولتيّة والسلطوية أنّ مسألة حمايتها، والحفاظ على نفسها، تتحقق بالانتشار وتحويل ذاتها إلى نظامٍ عالمي، لذلك كانت السلطات تتحرك بوعيٍ وتخطيطٍ كبيرين، وأدركت القوى المهيمنة، على أفضل وجه، أنّ الحفاظ على الذات والاستمرارية ممكنٌ فقط من خلال الانتشار.

ينبغي النظر في كيفيّة انتشار الثورة الروسية الديمقراطيّة، التي تحققت باسم المظلومين، كوحدة حضاريّة. لقد جعلوا من جميع الثورات الطبقيّة والكفاحات الوطنية، المبنية على الطبقة، أدوات لهم بحجّة الدفاع عن الوطن. كان الهدف الرئيسي لوحدة السوفييت هو الدفاع عن الوطن، وليس التوسّع، ولهذا الغرض تم استخدام جميع القوى الديمقراطيّة والسياسيّة الخارجية كأدوات، وبالتالي فإنّ وحدة السوفييت لم تصبح وحدةً منتشرةً، بل جعلت الكفاحات الاشتراكية الموجودة أدوات في السياسة الخارجية، واعتقدت أنّ الدفاع عن الوطن سيكون على هذا الأساس، ولكنها أخطأت في تقديرها، فأقلمت العديد من الحركات الاجتماعيّة والحركات الوطنية التحررية مع نظامها، ولم تستطع حتى حماية الوطن الأم، وانهارت.

قامت ثورة روجآفا وفقاً لنموذج الحضارة الديمقراطيّة، وتجسّدت من خلال مفاهيمها. لا بدَّ من إدراك أنّ الثورة التي تمثّل وحدة الحضارة الديمقراطيّة في روجآفا يمكن أن تستمر وتحمى من خلال انتشارها وتعميمها، تماماً كما تحوّلت وحدة الحضارة الدولتيّة من عهد أوروك إلى الشمولية، وطوّرت العديد من المراكز والأنظمة داخلها، فيمكن لوحدة الحضارة الديمقراطيّة التي تتطوّر في روجآفا أن تستمر من خلال النمو والتوسّع والتحوّل إلى العالميّة.

من الضروري أن نلاحظ كيف أنّ الأمراض الفكريّة، الطبقيّة الهرميّة الدولتيّة، التي أدّت إلى انحلال وحدة السوفييت، مازالت موجودةً في مرحلة روجآفا، وينبغي الانتباه لها، وتجنّب الوقوع في هذا الخطأ. عليها أن تعرف كيف توسّع نفسها في إطار النظام الحضاري الديمقراطيّ من خلال التواصل مع وحدات وقوى وأفراد المعارضة الناشئة، وعدم التضحية بوحدات الحضارة الديمقراطيّة الأخرى، وأجزائها، من أجل روجآفا.

سياسة «كل شيء من أجل روجآفا» هي سياسةٌ سوفيتية، ونتائجها مرئية، وإذا لم تتمكّن ردود الفعل الدفاعية التي تم تطويرها تحت شعار «لنحمي روجآفا» من التوسّع والتعميم بأساليب وطرق متعدّدة فإنّها ستظل محصورةً في روجآفا فحسب، مما يشكل خطراً على استمراريتها ويجعلها عرضةً للتهلكة، لأن ردود الفعل هذه ستسير نحو الانكماش، وتفتح الطريق أمام الانفصال عن الكل.

يمكن لثورة روجآفا أن تُحبط هجمات الدولة القومية الاستعمارية وقوى الحداثة الرأسماليّة، من خلال توسيع نطاق تحالف الشعوب أفقياً وتطويره، بدايةً في الشرق الأوسط، ويجب أن يكون معلوماً أن الاحتكارات الرأسماليّة بقدراتها الهائلة وأدواتها لن تسمح بذلك وستشكّل عائقاً، حيث تُظهر السياسات التي يطورونها هذا الأمر بشكلٍ واضح، ولذلك يجب التأكيد على أن طريقة حماية ثورة روجآفا تتمثّل في التوسّع وجعل نفسها عالميّة، ونظراً لأن وحدة الحضارة الديمقراطيّة المتمثّلة في الأمة الديمقراطيّة قد أحدثت ثورةً في روجآفا، فقد أصبح من الضروري إجراء هذه التقييمات، إذ إنّ هدف تحرير الإنسانية العالميّة ممكنٌ فقط من خلال هذه الباراديغما، ويجب على الثورة المتنامية أن تدرك جيداً، من خلال استنباط الدروس من التاريخ، أنها يمكن أن تكون أساساً لهذا التحوّل وبالتالي يمكنها أن تتحوّل إلى نظامٍ إقليمي وعالمي عن طريق التوسّع.

بينما نسعى لتوسيع وتعميم نموذج الحضارة الديمقراطيّة عالمياً، يجب إدانة النهج الضيق والدوغمائية، حيث أن النهج الضيق والدوغمائية القائمة على مبدأ «دعوها تتطوّر تحت سيطرتنا» بشكلٍ مُفرط، عند العمل على توسيع نموذج الحضارة الديمقراطيّة، هو أمرٌ غير ملائم، كما أن كل تشكيلٍ يتمحور حول ذاته سيؤدي إلى التضييق، فالنهج المركزي المُفرط، البعيد عن لغة النظام الكونفدرالي، سيوفّر أرضيةً لتطوّر نتائج مماثلة.

يتطلّب التطوّر والتعمّق والتوسّع مقاييس عالية وأساليب إبداعية، حيث أن تطوّر مؤسسات البناء، وهي وحدات الحضارة الديمقراطيّة، بشكلٍ داخلي مُفرط ضمن النظام، يؤدي إلى ضعف ردود الفعل النموذجيّة، وبالتالي عدم التحوّل إلى نظام الكونفدرالية الديمقراطيّة، والبقاء ضمن حدود آلية تقنية، ضيّقة وتنظيمية. عندما تتبنى هذه الوحدات نفس النَّهج الضيق، وردود الفعل السياسيّة الآنيّة في العمل على تعميم وتوسيع باراديغما القائد عبد الله أوجلان، فإنّها ستؤدي إلى نفس القدر من التضييق والانكماش والروتينية.

يجب على وحدة الحضارة الديمقراطيّة التي تنكمش داخلياً وتبقى مجردة وعامة خارجياً، أن تقوم بفتح آفاق جديدة وشاملة وفقاً لأسس النموذج داخلياً وخارجياً لمواجهة هذا المسار. إن هذا النهج الخاطئ لا يتوافق مع لغة الحياة والمجتمع في التوسّع الذاتيّ، ونظراً للمرحلة التي وصلت إليها جهود التحرر، لا ينبغي أن يعيق النهج المعتمد على القلق والشك والخوف الذي يستند إلى الأساس الاجتماعي الضعيف مسار النضال، ويجب التخلي عن هذه الخصائص لأنها تشكّل العوائق الأساسية أمام النمو، فإذا نُظر إلى تكوين النموذج ونهج التوسّع كدورٍ تاريخي ورسالة، فسيتمُّ فهم جوهر الأمر بشكلٍ أعمق، فكما كان للأفكار والوحدات والثورات الفكريّة في التاريخ دور في التوسّع والتحول إلى نظامٍ عام، يجب أن ينظر إلى هذه الجهود في عصرنا كتنفيذٍ لمتطلبات رسالةٍ تاريخية، فهذا دورٌ تاريخي، وطريق النمو والتوسّع يمر من هنا، ولذلك من الضروري العثور على باراديغما عالية المعايير ولكنها مرنةٌ وخلّاقةٌ إلى حدٍّ كبير.

ليس من نهجنا التحدّثُ باستمرارٍ عن أساليب السلطة وتقديم الأمثلة، ولذلك يجب النظر على أساس استخلاص الدروس، دون الانحراف نحو البراغماتية. النظام الهرميّ الدولتيّ الذي يفهم جيداً لغة المجتمع، والحياة القائمة، ويستوعبها، لا يتبنّى نهج «فليتطوّر تحت سيطرتي» بشكلٍ صارم. عند التوسّع يمكن لأيّ قوة أن تنشر نظام السلطة، فالهدف هو نشر السلطة، لذلك ليس لديهم أي قلقٍ أو خوفٍ أو تردّد فيما يتعلّقُ بالغاية والطريقة، فكما ينعكس في سيناريو «سيد الخواتم»، تمنح الخواتم للجميع بغض النظر عن الكيفيّة، بهدف تصدير أنظمتهم، الهدف هو انتشار السلطة، لذلك تستخدم السلطات العلاقات الاجتماعيّة وأشكالها على نطاقٍ واسع، فتاريخياً تسللت إلى العلاقات التقليدية والطبيعيّة للمجتمعات كالفيروس، وانتشرت على هذا النحو، فإذا لاحظنا، فإن السلطة تهيمنُ اليوم على جميع مسامات الحياة، في حين أن هذه المسامات والعلاقات هي أشكالٌ من العلاقات التي طوّرتها الحياة الاجتماعيّة بشكلٍ مستقل عن السلطة، ونفس الأسلوب ينطبق على عالم التكنولوجيا والإنترنت، حيث يتسلّل إلى جميع برامج الحواسيب والأدوات التقنية التي يستخدمها الناس بطريقةٍ فيروسيةٍ ويأخذ جميع المعلومات، ومن غير الممكن اتخاذ تدابير لمنع ذلك، ولهذا السبب نجحت السلطة في معرفة كيفيّة استخدام جميع العلاقات الاجتماعيّة والتكنولوجيا بأفضل مستوى، ووضعها في خدمة السلطات.

يمكن لوحدات الحضارة الديمقراطيّة أن تبقى موجودةً من خلال توسعها والتحول إلى نظامٍ عالمي، والطريقة الوحيدة لحمايتها هي الانتشار والانتقال إلى المستوى العالميّ، ونظراً للفوضى التي نعيشها في عصرنا، فإن حاجة المجتمع والناس إلى فكرةٍ ترشدهم بشكلٍ ملحّ تشكّل الأساس الاجتماعي لنمو هذه الوحدات، ومن خلال تقييم أساليب التسلّل إلى الأنسجة الدقيقة للعلاقات التقليدية والطبيعيّة للمجتمع والنظم التكنولوجية، التي تلبي احتياجات المجتمع الأساسية، يمكن تطوير الأنماط الحالية للعلاقات والعلاقات الجديدة الإبداعية وتحويلها إلى خليط حياةٍ حرة.

لم تعد الطرق الأساسية للتوسع هي فتح الأفق بشكلٍ مؤسسي، جماعي وفردي في جميع مجالات المجتمع، والتوسّع في العلاقات الاجتماعيّة الحالية وتحريرها لخدمة هذا التوسّع، لذلك يجب فتح مئات وآلاف المؤسسات والممثليات إن أمكن، ويجب التوجه نحو التأسيس لعلاقاتٍ واسعة النطاق، وإذا أصبحت الأشكال الطبيعيّة للعلاقات الناتجة عن الإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعيّة الجديدة مؤسسية، فستكون دائمةً ويمكن أن تساهم في تحوّل الحياة، ولأجل تحقيق ذلك يجب أن تتشكّل العلاقات الاجتماعيّة في تنظيماتٍ مؤسسيةٍ لتصبح عوامل بنّاءة تعزز جميع أنشطة المجتمع، وهنا يجب أن يكون معلوماً أن الطريقة الأساسية لنشر باراديغما القائد عبد الله أوجلان على المستوى العالميّ وتنظيم نظام الكونفدرالية العالميّ هو في الانتشار، وتتضمن طريقة هذا الانتشار، كما تم تطبيقها عالمياً، تقييم المهام الرئيسية الثلاث بشكلٍ فعّالٍ وكُفء مع الحفاظ على استقلاليتها.

بينما تظلُّ مهام نشر باراديغما القائد عبد الله أوجلان الديمقراطيّة والإيكولوجية وحرية المرأة، ونقلها إلى جميع الشعوب المضطهدة، وتحويلها إلى حركة عالميّة، قائمةً فإن تناول هذه الباراديغما على أساس بناءٍ اجتماعي محدّد، وحصرها في هذا الإطار، هو سببٌ مقنعٌ للنقد الذاتيّ، فعندما طوّر القائد عبد الله أوجلان هذه الباراديغما، قدّمها كبرنامجٍ للتحرر والحرية لجميع البشرية، لقد اقترحها تقريباً على جميع القارات والمناطق، وبالتالي على المجتمعات المضطهدة، لقد دعا إلى توحيد مُعارضي النظام من خلال الباراديغما المطوَّرة، ومع ذلك فإن المثقفين الثوريين المسؤولين عن تطبيق هذه الباراديغما لم يتمكنوا من ترقيتها إلى المستوى المطلوب، بسبب تقييدهم الضيق والمحدود لها، مما حال دون تحقيق النتائج المرجوّة، ولم يتمكنوا من نشرها لتصبح موضوعاً جوهرياً، حتى بين المجتمعات التي نشأت فيها الثورة، وأيضاً ضمن الديناميكيات الاجتماعيّة التي نعتمد عليها والتي تشمل شعوباً ومعتقدات مختلفة، ولذلك فالاستمرار في إبقاء الشعوب في موقف «الدعم» للباراديغما القديمة هو دليلٌ على أن الباراديغما الجديدة لم تُفهم، أو يتم استيعابها بالكامل، ولم تُقنع الناس بالأسس الجديدة.

مع انطلاق حملة «الحرية الجسدية» للقائد عبد الله أوجلان في 10 تشرين الأول 2023 وتوسعها إقليمياً وعالمياً، تم كسر الجوانب الضيقة والمحدودة والخاطئة والسطحية والدوغمائية جزئياً، مما أتاح الفرصة لتحويلها إلى أرضيةٍ للأمل في «عالم جديد ممكن».

بنفس القدر، محلياً، لم يتمكن المعارضون بداية للنظام والمثقفون والأكاديميون والمفكرون الذين يعيشون في المنطقة وفي أنحاء العالم من الانتقال من موقف «الدعم» تجاه الباراديغما التحررية المطوّرة. لقد ظلوا يشعرون بأنهم مدينون بالدعم الدائم لـ «القضية العادلة للشعب الكردي وقيادته الأسيرة» دون تجاوز هذا الموقف، ومع ذلك كان ينبغي لهم تبنّي الفكر الإيكولوجي والديمقراطيّ والتحرري للمرأة، وتكييفه مع ظروفهم الخاصة لخوض نضالهم من أجل الحرية. هناك العديد من حركات العمال، الأحزاب، الحركات والمجموعات التي كان يجب عليها تغيير برامجها وفقاً للباراديغما الجديدة والعمل بتضامن، وبنفس الطريقة كان يمكن تشكيل حركات وأحزاب جديدة على هذا الأساس.

يمكن للمثقفين والأكاديميين والمفكرين على المستويين الإقليميّ والعالميّ أن يؤسسوا مبادرات عالميّة تحت شعار «عالم جديد ممكن» في ضوء النموذج الجديد، ويناقشوا الطرق والأساليب لجمع الوحدات المعارضة للنظام وتوجيهها، وبنفس الطريقة يمكن للشباب والنساء الذين قادوا الثورات الاجتماعيّة تاريخياً أن ينقلوا أدوارهم إلى مستوى عالمي في ضوء النموذج الإيكولوجي والديمقراطيّ والتحرري للمرأة ويقودوا هذه الجهود. باختصار، يمكن للمعارضين للنظام والمثقفين والأكاديميين والمفكرين أن يخرجوا من موقف «الدعم» ويؤدوا أدواراً أكثر نشاطاً وقيادية، في مواجهة الفوضى وأزمة النظام في عصرنا، من خلال تبنّي باراديغما القائد عبد الله أوجلان.

في هذا الصدد، من الضروري نقل التقييم الشامل الذي قدّمهُ الفيلسوف سلافوي جيجك، الذي يمكن اعتباره قدوةً في عالَم المثقفين، والذي أجراه خلال قراءة كتاب القائد عبد الله أوجلان، وإيراده كما هو.

يقول جيجك: «من دواعي فخري أن أقرأ لكم فقرتين جميلتين وقصيرتين من كتاب عبد الله أوجلان حول كيفيّة الحياة، وما يجب القيام به، ومن أين ينبغي البدء، هذا النص يتناول مباشرة السؤال الأساسي الذي نواجهه جميعاً اليوم: أين سنقف في زحمة عالمنا الحالي من ذواتنا، وما هو موقفنا الذاتيّ الأصيل؟ لقد تم الرد على سؤال «ما الذي يجب القيام به؟» منذ زمنٍ بعيدٍ بإجاباتٍ مفصّلة لمدة خمسمائة سنة: يجب أن تعيش بشكلٍ فردي، وتفكر دائماً في نفسك، وتقول «الطريق الوحيد هو طريق الحداثة»، وتفعل ما يتعيّن عليك فعله، الطريق واضح، والأسلوب معروف: يجب أن تفعل ما يفعله الجميع، فإذا كنت صاحب عمل فيجب عليك تحقيق الأرباح، وإذا كنت عاملاً فيجب عليك أن تسعى للأجر، أما البحث عن أنواع أخرى من السلوك فهو حماقة، وإذا أصررتَ فالنتيجة هي إخراجك من النظام، والبطالة، واليأس والتدهور. لقد تحولت الحياة إلى سباق رهيب للخيول. يجب أن تبدأ الإجابة المشتركة على الأسئلة «كيف يجب أن نعيش؟ ما الذي يجب فعله؟ ومن أين يجب أن نبدأ؟» من داخل النظام، وعلى أساس المعارضة للنظام، ومع ذلك فإنّ المعارضة للنظام من داخل النظام تتطلّب، بحسب الحكماء القدامى، محاربة من أجل الحقيقة، بتكلفة الموت في كل لحظة، فيجب أن تتخلّص من هذه الحياة بكراهيةٍ مثلما تتخلص من الحداثة كقميصٍ مقيّد ارتديته كدرعٍ ضد الحياة، وإذا تطلب الأمر تقوم في كل لحظةٍ بالتقيؤ حتى تخلّص معدتك وعقلك وجسدك من هذه الحياة التي في داخلك، حتى إذا قدّمت لك الحياةُ نفسها بجمال العالم، فستجيب بالتقيؤ داخلياً».

«أعتقد أن هذا المقطع يبرز شيئاً من الجمال الذي يقربه من الميتافيزيقية، إنه يوضح لنا مجدداً، بدقة، إحداثياتنا، فنحن نعيش في نظام يقدّم الذاتيّة لنا، حيث يجب علينا أن نعيش حياةً فرديةً، لا تشبه حياة الآخرين، ومع ذلك يوجد هنا تشابهٌ مملٌّ تحت هذه الوفرة المغرورة والفارغة».

كلما حاولنا أن نظهر كأفراد، كلما كنا مثل الجميع، فما الذي يجب علينا فعله؟ عبد الله أوجلان يقدم هنا تشبيهاً رائعاً وحاسماً: «تقيؤ النظام، هذا يعني تدمير كل الواقع، ولكنه يعني التحرّر من الإحداثيات الأيديولوجية المدفونة في أعماق ذواتنا، والتي نعيشها ونعتبرها أمراً طبيعياً».

«لأجل التحرر الاجتماعي والانخراط في عملية التحرر يجب أن تحررَ نفسك أولاً، ويجب أن تصل إلى الحد الأدنى من الحرية، وهذا يعني بالضبط تطهير نفسك من جميع الهزائم، التي تنظم حياتنا اليومية وتتداخل فيها. يبدو أن عبد الله أوجلان، هنا، يعبّر عن فهمٍ عميقٍ للاهوت اليهوديّ القديم، حيث يشير إلى أنه يجب على الله خلق الفراغ قبل خلق العالم، ومن ثم يمكنه وضع الأشياء التي خلقها في داخله، وكما قال عبد الله أوجلان، كماديٍّ وماركسيّ، لإنشاء عالمٍ اجتماعيٍّ جديد يجب علينا رفض النظام الحالي أولاً. قبول الفراغ والتخلّص من كل الضغوط الهائلة في العالم الذي نعيش فيه. هذه رؤية اجتماعيّة وميتافيزيقية رائعة، يبدو أنك تحصل على الإحداثيات الميتافيزيقية الأساسية لجميع الجهود التي بذلها، ويجب علينا أن نتبعه في هذا المجال».

وفي تقييمٍ آخر من سلافوي جيجك يقول: «يقدّم عبد الله أوجلان باراديغما لكيفيّة دمج نضاله من أجل الحرية مع النضال لأجل الخلاص العالميّ، أنا متضامن تماماً مع عبد الله أوجلان، لكني لا أعرض عليه التعاطف، بل أعتقد أنه يجب تجاوز التعاطف، فنضاله هو نضالي».

قدّمَ الفيلسوف سلافوي جيجك من خلال جملته الأخيرة في نهاية هذا التقييم الطويل «ويجب علينا أن نتبعه في هذا المجال»، و«نضاله هو نضالي» إجابةً صادمةً عن المكان الذي يجب أن يقف فيه المفكرون والأكاديميون والمتنورون، وفي هذا الموضوع يجب أن يكون معلوماً بأن هناك اهتماماً ومشاركةً كبيرةً من قِبل العديد من المفكرين والأكاديميين والمتنورين، ومع ذلك وبسبب عدم اتخاذ مبادرات نظامية وشاملة بعد، فإنه من الواضح أنه لم يكن كافياً لتوسيع باراديغما مبادئ الحرية الإيكولوجية والديمقراطيّة وحقوق المرأة وإيصالها إلى مستوى الحركة العالميّة.

ونتيجةً لذلك، هناك حاجة لتطوير مساحات حرة جديدة حتى تتمكّن المهام الفكريّة والأخلاقيّة والسياسيّة المتشابكة من العمل بشكلٍ متكاملٍ مع الحفاظ على استقلاليتها عن بعضها البعض، والمهمّة الأكثر قيمة هي نشر فكر القائد عبدالله أوجلان من خلال ثلاث مهام، بدون الوقوع في الليبيرالية المفرطة، وبعيداً عن البراغماتية، وأن كل الطرق جائزة، بل بمواقف مبدئية ومرنة وخلّاقة ووعي سياسي عال، ولهذا الغرض يجب، إضافةً إلى تلاميذ القائد عبدالله أوجلان، أن يدرك المفكرون والأكاديميون والمتنورون والفنانون والأدباء وعلماء الاجتماع والنساء والأناركيون والاشتراكيون والديمقراطيّون والعلماء المؤمنون المخلصون والوحدات المعارضة للنظام بأنهم في مواجهة مهمّة تاريخية.

..What is Behind Kenya’s Protest Movement?...

 الإثنين 8 تموز 2024 - 5:33 ص

..What is Behind Kenya’s Protest Movement?... Kenyan police have killed dozens of protesters sinc… تتمة »

عدد الزيارات: 163,737,541

عدد الزوار: 7,344,850

المتواجدون الآن: 105